خريطة الموقع
الجمعة 3 سبتمبر 2010م

العدد 185/ سماحة المفتي في حوار مع المعرفة: دور المناهج التعليمية في غرس مفهوم الرحمة في نفوس الناشئين والطلاب في غاية ال  «^»  العدد 185/ رحمة.. حين كان لي من اسمي نصيب   «^»  العدد 185/ الرحمة في المجتمعات الغربية المعاصرة   «^»  العدد 185/ الرحمة.. ياسمين   «^»  العدد 185/ التربية على الرحمة... المستدامة  «^»  العدد 185/ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»   «^»  العدد 185/ من مفاهيم الرحمة في القرآن الكريم : رحمة الهداية .. رحمة العلم.. رحمة التمكين..   «^»  العدد 185/ لغة حانية. . الرحمن الرحيم   «^»  العدد 185/ تبارك ربنا الملك الحق.. الرحمن الرحيم  «^»  العدد 185/ رمضان . . شهر القرآن: )ورحمتي وسعت كل شيء( جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
ملف العدد
العدد 169 / تطوير تعليم العلوم والرياضيات.. خطوة أولى في بناء مجتمع المعرفة

العدد 169 / تطوير تعليم العلوم والرياضيات.. خطوة أولى في بناء مجتمع المعرفة
العدد 169 / تطوير تعليم العلوم والرياضيات.. خطوة أولى في بناء مجتمع المعرفة

بقلم :د.فهد سليمان الشايع :


لا تكاد أن تخلو مجالس الأكاديميين والمثقفين والساسة في هذه الأيام من تداول مصطلحات «مجتمع المعرفة» و«اقتصاد المعرفة», وأهمية التحول لهما إثر تحول واضح لأدوار المجتمعات البشرية من المجتمعات البدائية مرورًا بالمجتمعات الزراعية وانتهاء بالمجتمعات الصناعية، وأهمية ادراك المجتمع بكافة مستوياته أدوار هذه المجتمعات لبناء اقتصادياتها. إن المتتبع للتقارير والدراسات الدولية خلال العقد الماضي يجد أن الكثير منها تناولت أهمية التحول إلى مجتمع المعرفة (Knowledge Society).

طالب تقرير التنمية الإنسانية في الدول العربية لعام 2003م الدول العربية بتقليص «الفجوة في المعرفة» التي تعاني منها هذه الدول في الوقت الحالي. ويعرض التقرير رؤية استراتيجية لإقامة مجتمع المعرفة تعتمد على نشر التعليم وتطويره وبناء قدرات البحث العلمي وتوطين العلم، والتحول نحو نمط إنتاج المعرفة وعدم الاقتصار على استهلاكها. كما صدر تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في عام 2005 بعنوان (من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة)، وقد أكد التقرير أن المعلومات ما هي إلا وسيلة لتحقيق مجتمع حقيقي للمعرفة والذي يعتبر تطوير التعليم أحد أهم مكوناته.

أن التحول نحو مجتمع المعرفة يتطلب تعليمًا نوعيًا يراعي معطيات العصر واحتياجات المجتمع، ويبرز تطوير تعليم «العلوم والرياضيات» كأحد أهم مكونات هذا التطوير لبناء مجتمع معرفي قادر على إنتاج المعرفة واستثمارها، إن عملية التطوير هذه تعد هاجسًا ملحًا لمعظم شعوب وقيادات العالم، لذا ظهرت الكثير من الحركات والمبادرات الإصلاحية لتطوير تعليم العلوم والرياضيات في عدد من الدول النامية والمتقدمة، وتنادت المؤتمرات واللقاءات العلمية الدولية لدراسة أساليب وآليات التطوير المنشود. ولا يكاد أن تجد بلدًا سواء كان متقدمًا أم ناميًا إلا وينظر أنه مازال يحتاج إلى تطوير تعليم العلوم والرياضيات؛ ولو كانت نظرة العالم له بأنه نجح في التطوير الذي حققه.

إن المملكة العربية السعودية وهي تتطلع إلى تأسيس مجتمع معرفي منافس عالميًا، تدرك أهمية تطوير التعليم لأنه عصب التطوير وأساسه، فهو ينصب في التنمية البشرية واستثمار في العقول المنتجة للمعرفة، ولعل وثيقة «آراء الملك عبدالله لتطوير التعليم في دول الخليج»، والتي أعلنها حفظه الله عندما كان وليًا للعهد، والتي ركزت بشكل أساسي على إصلاح تعليم العلوم والرياضيات بالإضافة للتوسع في التعليم الإلكتروني، لأكبر دلالة على وعي القيادة بأهمية هذا المجال، الذي هو منطلق التقدم التقني والعلمي والحضاري. وما «مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم العام» و«مشروع تطوير مناهج الرياضيات والعلوم» إلا دليل على الرغبة الصادقة نحو التطوير الذي يأمل أن يراه كل مسؤول ومواطن على حد سواء واقعًا نعيشه في مدارسنا ومجتمعنا سعيًا لبناء مجتمع مثقف علميًا قادر على إنتاج المعرفة واستثمارها.

إن استثمار الجهود والقدرات في شراكة مجتمعية وعالمية لإحداث تطوير نوعي أمر في غاية الأهمية، ويمثل عملًا مؤسسيًا مهنيًا لتحقيق هدف التطوير، وهذا ما أدركته كثير من المبادرات العالمية لإصلاح التعليم بشكل عام وفي تعليم العلوم والرياضيات بشكل خاص. وكان لمشاريع إصلاح تعليم العلوم والرياضيات في الولايات المتحدة الأمريكية إسهام كبير في ذلك، حيث استشعر المجتمع بكافة شرائحه حاجة التطوير الملحة مع صدور التقرير الشهير «أمة في خطر»، فبادرت الجمعيات العلمية التربوية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة، بدعم وتبن من المؤسسات الحكومية، بمشاريع إصلاحية لتطوير تعليم العلوم والرياضيات، ومن أبرزها مشروع (2061) للجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS) الذي نادى بإصلاح تعليم العلوم والرياضيات والتقنية، ومشروع معايير الرياضيات المدرسية الذي أطلقه المجلس الوطني لمعلمي الرياضيات (NCTM)، ومشروع المعايير القومية للتربية العلمية (NSES) الذي تبنته الجمعية القومية لمدرسي العلوم (NSTA).

إن المتأمل لهذه المشاريع يدرك أهمية الشراكة المجتمعية متعددة المستويات في تطوير التعليم، فعلى سبيل المثال شارك في بناء مشروع المعايير القومية للتربية العلمية (NSES) مجموعات عمل متعددة عقدت أكثر من 200 حلقة نقاش في عدد من الجهات والمنظمات ذات الصلة، حيث بُدئ بمعايير المحتوى ومعايير التدريس والتقويم. وخلال تلك الفترة تزايد الاهتمام بجوانب التربية العلمية الأخرى خارج إطار غرفة الصف، فاتجه المشروع إلى التركيز على معايير البرامج الخاصة بالمدارس والمناطق التعليمية، ثم توسع بالاهتمام بمعايير النظام المرتبطة بالولاية والصناعة والمال وغيرها. وقد ساهم العديد من معلمي العلوم والعلماء والمهتمين بتعليم العلوم بتقديم العديد من الإضافات والنقد لهذه المعايير لتصل لصورتها الأولية، والتي تم عرضها بعد ذلك على نطاق قومي واسع حيث وزع أكثر من ثلاثين ألف نسخة خلال ثلاثة أشهر؛ من أجل المراجعة والملاحظة والنقد، وقامت أكثر من 250 مجموعة عمل تتكون من معلمين وعلماء وإداريين وباحثين بإبداء الملاحظات والتعليقات، ثم قامت اللجنة المركزية لهذا المشروع بتحليل هذه الملاحظات ودراستها، وخلص المشروع بإعداد النسخة النهائية.

وفي ذات السياق، نجد أن هذه المشاريع الإصلاحية أخذت أبعادًا مختلفة في أشكال التطوير وصوره، كل حسب رؤيته ومنظوره مع التأكيد على الاستفادة من التجارب العالمية وتطويعها لخدمة الرؤية المحلية للتطوير. فتجربة دول شرق آسيا في تطوير تعليم العلوم والرياضيات تجربة تستحق الوقوف والتأمل والاستفادة منها، فاستعراض تجربة سنغافورة وكوريا الجنوبية على سبيل المثال يعطي المتأمل دروسًا في التطوير والمثابرة للوصول لتحقيق الهدف.

إن استعراض هذه التجارب والتوجهات العالمية في التطوير التربوي ودراستها دراسة واعية لاستخلاص جوانب التميز والريادة فيها أمر مهم، والأهم منه إدراك آلية الاستفادة منه في بناء رؤية التطوير المحلية المرتكزة على ثوابت المجتمع وقيمه وثقافته. إن تحقيق هذه المعادلة أمر ممكن ومتيسر في حضور قيم المسؤولية والمؤسسية والشراكة المنتجة.

إن تحليل واقع تعليم العلوم والرياضيات في مجتمعنا مخيب للآمال والتطلعات، فما زال أمامنا طريق طويل وشاق؛ فعلى سبيل المثال شاركت المملكة في الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم «TIMSS» في عامي 2003م و2007م، وقد ظهرت نتائج مشاركة المملكة مخيبة للآمال، حيث احتلت المراتب ما قبل الأخيرة في الترتيب، ولم يتحسن الوضع بين المشاركتين. وإن كنت اعتبر هذه النتائج «مؤشرًا» وليس «حكمًا» على مستوى أبنائنا الطلاب بحكم طبيعة وآلية هذه الاختبارات العالمية التي قد يكون تعاملنا في تطبيقها خلال المشاركتين يحتاج إلى وقفات إصلاح وتقويم. ومع هذا، فينبغي علينا الاهتمام بنتائج هذه الدراسة حيث إن هذه الاختبارات العالمية المقننة توفر بياناتها مادة خصبة للتحليل والتأمل لتلمس جوانب الضعف والقصور، فتحليل نتائج هذه المشاركات يعد مطلبًا وطنيًا ملحًا، وقد سعى مركز التميز البحثي في تطوير تعليم العلوم والرياضيات في جامعة الملك سعود إلى تحليل نتائج مشاركة المملكة السابقتين للوقوف على أكثر المتغيرات تأثيرًا على طلابنا في تحصيل العلوم والرياضيات، ومحاولة لتوجيه الجهود إليها لتطويرها. وقد أنهى المركز تحليل نتائج عام 2003م ويعمل حاليًا على تحليل نتائج عام 2007م والتي أعلنت في شهر ديسمبر الماضي، وسيتبنى المركز تشجيع الباحثين لمزيد من الدراسات والتحليل بتوفير البيانات وتسهيل طريقة التعامل معها، وسيتخلل ذلك عقد ورشة عمل للمختصين والمهتمين، حيث ستعرض نتائج الدراستين ويفتح النقاش حول أساب تلك النتائج وسبل تحسين مستوى أداء طلابنا. كما يستهدف المركز القيام بعمل بحثي نوعي للخروج بتوصيات عملية للرفع من مستوى تحصيل أبنائنا الطلاب في تلك الاختبارات.

وغني عن القول إن تطوير التعليم ينبغي أن يتسم بالرؤية المؤسساتية البعيدة عن الجهود الفردية أو المشاريع المبتورة المعتمدة على الجزئيات، ليظهر نتاج التطوير بشكل مهني وظيفي يحقق الآمال والتطلعات، إن التطوير ينبغي أن يقوم على مفهوم «الشراكة» المؤسساتية مع جميع الجهات ذات العلاقة على كافة المستويات. بالإضافة للشراكة الواعية مع المؤسسات الريادية العالمية ذات التجارب الناجحة.

وبالنظر والتأمل لمشاريع تطوير تعليم العلوم والرياضيات القائمة؛ والتي بذل ويبذل فيها كثير من الجهد والمال، ندرك أهمية إعادة النظر في بنائها لتتسم بالرؤية المؤسساتية البعيدة عن النظرة الأحادية للتطوير، ليظهر نتاج التطوير بشكل مهني وظيفي يحقق التطلعات ويسهم في بناء مجتمع معرفي قادر على المنافسة. وهذا كله، يؤكد أهمية إعادة النظر لمنهجية وآلية التطوير ومراعاة أولوياته وعدم إغفال جوانبه الرئيسة، وفي هذا الإطار أرى أهمية إعادة ترتيب هذه الأولويات والجوانب وتملس مدى إنجازها أو حاجتها للمراجعة والتأمل.

أن التأكيد على أولويات التطوير من بناء معايير تعليم العلوم والرياضيات بكافة مجالاتها من معايير محتوى وعمليات وتدريس وتقويم وما يصاحبها من معايير التطوير المهني ومعايير البرامح والأنظمة وغيرها، والتي ينبغي أن يشارك في بنائها مختلف شرائح المجتمع ومؤسساته، وانطلاقًا إلى تطوير عناصر المنهج بكافة أبعاده ليس ترفًا أكاديميًا أو تنظيرًا فكريًا يكثر ترديده؛ بل هو نظرة مهنية ينبغي مناقشتها والسعي نحو إصلاح شامل لا يعتمد على حرق المراحل لنعود بعد فترة، بمجرد اختلاف الظروف والمعطيات، لنقطة الانطلاق من جديد. ولعل المتأمل الواعي المنصف لخطوات التطوير السابقة يصل إلى نتيجة مفادها: «ينبغي أن يتجه التطوير إلى العمل المؤسسي المرتكز على الشراكة مع الجميع والمستفيد من التجارب العالمية بنظرة واعية فاحصة».

وأؤكد أهمية العناية في جميع مراحل التطوير وفي كافة جوانبه على الاستثمار في التنمية البشرية للخبرات الوطنية، إذ إنها هي محرك التطوير وضمان استمراريته. إن تطوير تعليم أي بلد ينبغي أن ينطلق من داخله وأن يتم في جميع مراحله في عقر دراه، لأن مرد التطوير إليه واستمراريته مناطة بخبرات أبنائه، مع التأكيد على الاستفادة من التجارب والخبرات العالمية الناجحة. ولعلنا لا نكرر ما فعلناه قبل أكثر من ربع قرن في تطوير اعتمد على خبرة خارجية «خالصة» كانت نتاجه واقعنا الذي نعيشه حاليًا.

وختامًا، إن أي تطوير لا يصاحبه تطوير المعلم ابتداء بسياسات ومعايير إعداده في مؤسسات الإعداد إلى آليات اختياره وتعيينه، ومرورًا بأهمية تشريع رخصة التعليم، وضمان تطويره المهني بمعايير محددة، وإشراكه في خطوات التطوير جميعها، يعتبر تطويرًا أبتر أعرج لا يمكن أن يحقق أهدافه، فتطوير التعليم يعتمد على تطوير المعلم فالمعلم ثم المعلم.
تم إضافته يوم الأربعاء 01/04/2009 م - الموافق 6-4-1430 هـ الساعة 5:52 مساءً
شوهد 1464 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 5.57/10 (114 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية