سبـــورة العدد 169 / المعلمون.. والاختبارات النفسية
العدد 169 / المعلمون.. والاختبارات النفسية
بقلم :.مصطفى ياسين :
في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2008م وفي إحدى مدارس ولاية « تشهاني سجارة» الهندية، سأل معلم تلميذته - وعمرها ست سنوات - سؤالاً عجزت عن إجابته.. فاندفع إليها وبيده دبوس صغير ليعاقبها، فدخل الدبوس في عينها وانطفأ الإبصار في عين الصغيرة البريئة!!
هرب المعلم، ولم يعثروا له على أثر.
اضطرت حكومة الولاية إلى دفع تكاليف العلاج، وطار الخبر إلى أرجاء العالم بواسطة الإنترنت التي تطارد الأخبار في هذه القرية العالمية... الصغيرة الأبعاد.
لماذا كان الدبوس في يد المعلم؟
وأين كان عقله وهو يندفع نحو الطفلة الصغيرة هائجًا مائجًا؟!
ولماذا لم يترفق بالطفلة.. ويحيل السؤال إلى غيرها؟
ليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتحول فيها الصف المدرسي الذي أعد لتنوير العقل الإنساني، وبناء الشخصية، وإعداد الفرد ليندفع بقدراته وينفع مجتمعه إلى ميدان معركة.. يفقد فيها تلميذ عينيه، أو تعطل يده، أو يشوش دماغه، أو يفقد حياته، كما حدث منذ شهور في بلد عربي.
بل تنقل لنا الإنترنت أخبارًا عن سلوك بعض المعلمين، المشين، والمعيب، في تعاملهم مع تلاميذهم!
فمن ذلك تعريتهم لمعاقبتهم دون ستر من ملابسهم!! أو لفحص آثار على ملابسهم!!
أو غير ذلك، مما لا يجمل ذكره.
لا شك أن تلك الأفعال لا يمكن أن تصدر عن نفس سوية، وذلك يدعو إلى مراجعة «عقلية ونفسية» للمعلمين للتأكد من قدراتهم في إدارة الصف، والتعامل مع التلاميذ، على أسس التربية الهادفة التي تتفق مع رسالة المعلم، ودور المدرسة في الحياة!
لقد تطورت في العقود الأخيرة أساليب انتقاء المعلمين، وتأهيلهم والارتقاء بقدراتهم.
لقد كانت حاجة المجتمعات الإنسانية إلى «المعلم» ماسة.. وهكذا لم تكن أساليب التأهيل والانتقاء لتتشدد في قبول الداخلين إلى المهنة.
كان يشغلها دائمًا الجانب المعرفي، والجانب الأدائي وهما ركنان أساسيان في عمل المعلم.
ثم تطورت أساليب الانتقاء والتأهيل، فرفعت سقف المعرفة، وطورت أساليب الأداء، بالتأهيل المتواصل، وجعلت لذلك برامج وكليات أكاديمية وسلوكية ليكون المعلم «أنموذجًا» في أدائه من كل الجوانب المرتبطة بعمله.
ولقد شُغل أهل الإدارة المدرسية بقضية الضرب في كل أنحاء العالم، فظواهر التعليم تكاد تكون واحدة، وخاصة في مراحل التعليم العام.
وكانت الفلسفة التربوية المعتمدة، ومازالت: «أنَّ الضربَ ممنوع»، حتى لا يستخدم المعلم هذا الأسلوب ويشتط فيه، فيصيب التلميذ ما يصيبه كتلك الحالات التي تطالعنا بها صفحات الحوادث.
وبرغم ذلك المنع فإن المعلم لا يزال يتجه إلى الضرب - والضرب المؤذي - متعمدًا أو غير متعمد، مستحضرًا عقله، أو مستوليًا عليه الغضب، الذي يُضَيَّعُ العقلَ، فيوقعه الاندفاع الهائج فيما لا تحمد عقباه!
ماذا يكون شعور الأب الذي يودع ابنه المدرسة صباحًا ليتعلم فيُسْتدعى إلى المدرسة بعد دقائق أو ساعات ليجد ابنه وقد كُسرت يدُه،أو منقولاً للمستشفى، أو فقد حياته بسبب استخدام المعلم للعنف في معاملة تلاميذه، أو الضرب المبرح على الرأس، أو اليد، أو العين، كما هي قضية المعلم الهندي التي نحن بصددها.
المدرسة مؤسسة تنوير وبناء ورحمة بالإنسان وله، وإعداد صالح، ومصلح للحياة الإنسانية، وليست مجزرة، أو زاوية من زوايا المجتمع الإجرامية السفلية.
لقد حان الوقت لفحص المعلمين، سواء منهم من هم على رأس العمل، أو من يريد الدخول إلى المهنة.
يجب إخضاعهم إلى اختبار نفسي:
تقاس فيه قدرتهم على الصبر والمداراة والحلم.
وتقاس فيه قدرتهم على احتمال الاستفزاز!
وتقاس قدرتهم على احتمال ضغوط العمل، واحتمال السلوك المشاكس من تلاميذهم!
وتختبر قدرتهم على التصرف في المواقف المختلفة. وغير ذلك مما يقرره أهل الخبرة والاختصاص.
أصبح الاختبار والفحص ضرورة ملحة، فيجب أن يُستبعد من هو على رأس العمل، ولا يحسن التعامل مع التلاميذ، ولا يدخل إلىالمهنة من يثبت الاختبار أنه ليس بأهلٍ لأن يصير معلمًا، أمينًا على أعظم الثروات الإنسانية.
إن هذا الاختبار «العقلي» أكثر إلحاحًا وضرورة من الاختبار المعرفي الذي طبقته إحدى الدول العربية على معلميها وجاءت نتائجه مفزعة!! فالجهل يخرب العقول، ولدينا متسع لإصلاحه وتداركه، ولكن الإدارة السيئة لمجتمع التلاميذ إما أن تقتل أو تسبب الإعاقات، والآلام، وذلك خلل لا يمكن تداركه!
وإن لم يكن ذلك فإننا سنظل نطالع هذه «الأخبار السيئة» في عمل «المعلم» فنفقد حياة بعض صغارنا، أو نعيق بعض أعضائهم عن العمل، أو نخرب بعض نعم الله على عباده، ثم نحول المعلم إلى استيفاء العقاب، وفي كلتا الحالين نحن غير سعداء، لا بهذا، ولا بذاك!
أين الخلل؟...
أحد أوجه القصور المدمر والمخرب في عمل المدرسة: هو الإدارة السيئة، وغير الفعالة!
في كل ما يحدث في المدرسة: قصور الأداء، مشاكل التلاميذ، مشاكل المعلمين، ظواهر السلوك السيء، وغيره. ابحث دائمًا عن دور المدير. وستجد صورة الإدارة بكل أبعادها السلبية والإيجابية ماثلة أمام عينك.
ذلك ما قالته التجربة والوقائع!
وإن كان ذلك صحيحًا في ميدان التعليم والمدرسة خاصة فإنه صحيح وصادق في كل مؤسسة تؤدي عملاً خاصًا أو عامًا عَلَتَ أو انخفضت في حياة المجتمع، في الحرب وفي السلم على حد سواء!!
مدير المدرسة... أو لاً!!
المدرسة سواء أكانت ابتدائية، أم ثانوية، أو أعلى من ذلك تحتاج إلى إدارة فاعلة، وفعالة، وجازمة.
والإدارة الفعالة مهما كانت إمكانياتها، وقدرات العاملين فيها، فإنها تستفيد من كل ذلك، وتوجهه إلى إنجاز أهدافها.
- وغير الفعالة تهدر كل القدرات والطاقات المتوفرة مهما كانت عالية القيمة وتضيع في أنحاء الفوضى والإهمال!
إن المدير الفعال والفاعل يشيع في المدرسة كلها ابتداءً من حجارتها وأبوابها الخشبية والحديدية، ومرافقها، إلى تلاميذها ومعلميها ونظامها.. روح الالتزام، والانضباط وحسن الأداء وإلاّ سَرَى في أوصالها (عندالإدارة السيئة) أمراض الفوضى التي تدمر كل شيء فيها!
عند الفوضى يشيع في المدرسة روح التمرد، ويظهر ذلك في سلوك المعلمين، وسلوك التلاميذ.
وتكثر المشاكسات والمشاكل وتخريب النظام، وممتلكات المدرسة، ويغيب التلاميذ، وتشبه المدرسة إحدى حظائر الماشية!!
ليس ذلك الرأي القاطع من المبالغة في شيء، وإنما هو الرأي الذي أيدته التجربة، والملاحظة المعاشة والعمل مع النماذج المختلفة من «الإدارات المدرسية» لعقود أربعة!
ولقد شهدت بأم عيني، أن المدرسة، في كل شيء فيها، كانت «صورة» عن أداء المدير: في دوامه اليومي، وفي تنفيذه للنظام والتزامه به، وفي رعايته لتلاميذه، وفي توجيهه للمعلمين، وفي إشرافه على العمل.
وفي ظل المدير الفعال، المدرسة نظيفة، مصونة المرافق، تسير على النظام وتقل مشاكل التلاميذ، وتقل مشاكل المعلمين، وينضبط الجميع، وتصلح العلاقة مع محيط المدرسة!!
وفي ظل المدير غير الفعال، تسود الفوضى، فتجد الطلاب يدخلون ويخرجون كأنهم في سوق، والمعلمون يتأخرون عن الحصص، وتكثر مشاكل المعلمين فيما بينهم - وفيما بينهم وبين الطلاب، وتنكسر الأبواب والشبابيك، وتصبح بيئة العمل مرهقة، وميدانًا للمتاعب والمشاكل!
ونعيد القول: وفي كل الظواهر السلبية، والإيجابية أيضًا، في عمل المعلم، والمدرسة، ابحث دائمًا عن دور المدير وستجد بصمته هناك، إن كنت خبيرًا بارعًا كرجل البوليس الإنجليزي (شرلوك هولمز)!
تم إضافته يوم الأربعاء 01/04/2009 م - الموافق 6-4-1430 هـ الساعة 4:45 مساءً