ملف العدد العدد 179 / الوطن: رؤية الفكر.. نمذجة الفن 2-2
العدد 179 / الوطن: رؤية الفكر.. نمذجة الفن 2-2
بقلم : عبدالله حامد
بشرى فإنا في بوادر نهضة
ستحول الصعب الجموح ذلولا
ونشق منتظم الخضم بوارجًا
و«بواخرًا» فنجر فيه ذيولًا(46)
إن الاتكاء الواضح على المضارع المستقبلي يظهر من خلال رؤيتنا للقصيدة كاملة، حيث تحفل الأبيات الأربعة الأولى بثمانية أفعال مضارعة بمعدل فعلين لكل بيت، وهو أمر يفضي إلى تملي رؤية الشاعر المستقبلية التي يرسمها خياله للقادم، وهو مستقبل علمي تقني واضح حيث تجاوز القديم في طيره وبحره وصحرائه بالأساطيل والبواخر وخطوط الحديد واستخراج النفط، إذ تبدو الرغبة عارمة متشوقة محتفلة بهذه الألفاظ الجديدة، التي تأتي في صورة هدم ودك ومصادرة للراهن التقليدي الطبعي، فالجو والبحر والأرض مفاصل مهمة للتغيير في صور السيد عبيد مدني في قصيدته هذه.
ويرى ضياء الدين رجب أن مقولة«سر التقدم كامنة في الأجيال» صحيحة منطقية, ويرى الغد في صورة جديدة كل الجدة، حيث يفيد من آلية التشخيص للزمان:
وغدًا يكشف الزمان ستارًا
عن بني العصر في عظيم مجاله(47)
وهي صورة تتجاوز معناها التشخيصي للزمان إلى اقتناص عنصر المفاجأة والتشويق، وهي حرية بالتأمل الآن بعد أن زال الستار، الذي شاءه ضياء الدين منكرًا بأخذ صفة العمومية في حين آلف بين العصر وبنيه، ومن هنا يضحى فعل الزمان المعهود كشفًا لما هو أكثر إدهاشًا وغرابة، إنه مسرح الحياة الذي سيفتح عن تطورات هائلة جديدة، لن تكون أقل من فجائية الفن المسرحي، ولعل في التوظيف للمسرح هنا دلالة تتجاوز البعد الفني الدلالي إلى الإشارة الرامزة الدالة التي تشي بالغرابة والجديد، ولذا كانت الجدة والغرابة حاضرة في خيال الشعراء، وكأنهم يرسمون مسرح المستقبل من خلال بوادر الحاضر، وهي صرخات واعية، لو وجدت لها آنذاك همة شعبية حضارية شاملة!
يقول علي حافظ:
أحي�'ِ في بني وطني الشبابا
وأبصر فيهم العجب العجابا
وأرفع هامتي عزًا وفخرًا
بهم «وأراهموا» الأمل المجابا
شباب جزيرتي وصقور سربي
ومن ركبوا إلى العليا الصعابا
هذه الدهشة هي دهشة الجديد الذي رآه الشعراء في المستحدثات والمخترعات التي بدأ الشباب السعودي يتعامل معها، حيث صقور السرب لدى حافظ هي إشارة إلى تمكن حلم النهضة ومسايرة العصر، وهي رغبة رصدها الشعراء بعد أن جاهد في سبيل إحلالها القرار السياسي الواعي، رغم كل ما فرضه ورفضه بعض المناوئين للحديث عن سلامة نية كبيرة، وجهل كبير أيضًا! وتأتي ميمية طاهر زمخشري تأكيدًا لهذه النظرة المستقبلية، وإيحاء دالًا إلى ضرورة النظر للمستقبل، والتخلص من استعباد القديم المتمثل في الجمود والتخلف، وتأخذ نبرة زمخشري نفسًا فخريًا، ربما كان من أوائل الشعراء السعوديين الذين تباهوا بالوطن وإنسانه في صورة جمعية دالة(48):
سندعو إلى المجد أبطاله
ونرفع في الناس أسمى علم
وتسحق أهدافنا الترها
وتقشع من حالكات الظلم
سننسى بأنا أضعنا التراث
صروحًا تسامق أعلى القمم
تآكل بنيانها فارتمت
ببابًا يلف مداها العدم
وننسى بأنا طوانا الجمو
د فبتنا ننوح على ما انهدم(49)
إن الموقف الشعري هنا يمرر موقفًا فكريًا رائعًا، وتوجهًا حضاريًا متميزًا حيث لا يقف القديم ماضيًا نتغنى به فقط، ولا يتحول عائقًا أمام النهضة. إن إنجازات الماضي يجب أن تتحول رصيدًا يسهم في قوة الحاضر، وقادحًا لعزائم المستقبل، وهو موقف فكري تحيله الغنائية الزمخشرية إلى أن يكون نشيدًا يسهل ترداده وتذكره والتغني به، ولذا يأتي «البحر (المتقارب)» وتفعيلته الراقصة فعولن وترددها النغمي، إغناء إنشاديًا، وإطرابًا فنيًا لجمود الفكرة وعقليتها حيث العقل يوائم بين الماضي والحاضر.
وتجعل من آيه شرعة
ولا ترتضي بسواها حكم(50)
فالفكرة هنا حادة واضحة موضوعية مباشرة، بيد أن الموسيقى تعطيها بعدًا فنيًا مرققًا وكابحًا لانجرافها المعرفي العلمي الواضح.
لقد كان طاهر زمخشري يستحضر المعادلة النهضوية من خلال تأكيد على ارتكازها على البعد الحضاري الأصيل لهذه البلاد، فهو لا يفتأ يذكر بهذا البعد، مستحضرًا أهميته في نداءاته الوطنية المتكررة للنهوض، ولذا يصبح الوطن في رؤيته حبًا وأملًا، عشقًا آنيًا، وإشراقًا يرى أهمية المبادرة والاستعداد للنهوض؛ ولذا تراه أحيانًا يمزج الحب والولاء والوفاء والتضحية لهذا الوطن، مع نبرة استفهامية استنكارية موجعة لحاضره الذي يراه طاهر زمخشري مزعجًا، من حيث عدم استعداد بعض مواطنيه للمهمة الحضارية التي يراها زمخشري واجبة؛ بحكم تاريخه العريق. يقول في بعض أبيات قصيدته «وطني»:
وطني يفيدك ظني واليقين
والتفاني فيك إيمان ودين
طال إغفاؤك فاهتاج الأنين
فمتى تصحو وتصغي للحزين(51)
تقوم البنية النصية للقصيدة الزمخشرية هنا على الاستفهام، الذي يبدأ بالجملة الخبرية الفخرية الواثقة، والمركزة لمعاني الولاء والحب، فهو حب الظن واليقين، وهو بالتالي يستحق الوفاء والتفاني تعبدًا وإيمانًا، حيث تأتي الدلالة «الإيمانية» هنا نوعًا من الإثارة الفنية التي تبنتها القصيدة في مطلعها، مذ جاءت لفظة الظن؛ لتثير الأسئلة، ثم جاءت الإيمانية الدينية لتعطى الدلالة بعدًا ينتشلها من براثن التأويل للظني إلى حتمية الديني، بيد أن البداية هنا عبر البيتين تستلهم في جزئها الثاني سؤال النهضة التي طال انتظارها، حيث تأتي ذات الشاعر مجسدة لكل «ذات» موضوعية متحرقة ومتشوقة لهذه النهضة، وتأتي الفنية المعجمية مواكبة لهذه «الذات» في جوها الخارجي والداخلي؛ حين تختار كلمة «الحزين» وهي كلمة ذات بعد يبعث الأسى، ليس من خلال اختيار اللفظ المعجمي فقط، بل من خلال الصورة التكاملية التي رسمها «زمخشري»، وراح يجسد ويبني على هذه الدعامة الفنية، وهي دعامة رغم تقريريتها الظاهرة، إلا أنها تمنح الفعل البنائي والاستفهامي دلالات جديدة، ولذا تأتي الاستفهامات المتتالية تتجاوز معناها الحقيقي إلى معان جديدة، تتمثل في الإنكار والتوبيخ:
كل من حولي أشلاء رفات
فمتى تنفخ في الصور الحياة؟
أنيام أم رفات في لحود
أم خمول كيف نرجو أن نسود؟
ليس للخامل ذكر في الوجود
فمتى تسعى وللماضي تعود؟
مهبط الفرقان مهد المكرمات
ماله يحيى غريقًا في السبات؟
أسبات والرزايا صاحيات
والأسى يلهب شجوي والشكاة(52)
إن توالي الاستفهامات يكشف جانبًا فنيًا مهمًا ركز عليه الشاعر، وهو في ذات الوقت تكثيف للواقع، حيث يكثف الاستفهام المتتابع «واقعه» في ذات الوقت الذي يصنع فيه مستقبله الناهض، يغدو الاستفهام هنا جامعًا لثلاث صور متنوعة: - «الماضي» الذي يحضر من خلال إشارة الشاعر له في ربطه الموفق بين حركية السعي بدلالاتها المستقبلية الأمامية من خلال العودة للماضي، الذي يعزز من دفع هذا التقدم، ويشد من أزره، حتى ولو كان ماضيًا «فمتى تسعى وللماضي تعود» وهنا دلالة لها مردودها النفسي، ثم يطرح الاستفهام صورة «الواقع» وهي صورة تبعث على الأسى حيث دلالات الصورة بدءًا من مكوناتها المعجمية بالغة الإحباط في تصويرها «الإغفاءة - القبر - الأشلاء - الرفات - اللحود - السبات) ثم تأتي «الصورة المستقبلية» مصنوعة من خلال فتح المجال للمتلقي ليشارك في رسم هذه الصورة، كما يراها، فالنهضة يجب أن تنطلق من كل شاب ومواطن، يعي ماذا قدم الوطن في ماضيه من حضور وهاج، سجله التاريخ بكل أمانة. وتصبح النهضة هنا بقدر ما هي رؤية مستقبلية إلا أنها تتخذ من الماضي رمزًا يمكن أن يحتذيه الناهضون، ولذا فلا غرابة أن تعتمد الصورة الحاضرة لدى طاهر زمخشري على بنية الاستفهام، بينما تعتمد الصورة الماضية على «الجملة الاسمية» التي تتجاوز إشكالاتها الخبرية من حيث المطابقة أو عدمها(53)، فهذه الاسمية تأخذ مطابقتها، وشهادتها من خلال تاريخها المضيء المشرق، ولذا تصبح «الخبرية» عند زمخشري مجاوزة احتمالية «الصدق والكذب» كما هما في علم المعاني، إلى حتمية تاريخية دالة ورامزة.
وطني مبعث هدي وعظات
هي ما زالت منارًا للهداة
ولذا يأتي النداء بعد ذلك لونًا إنشائيًا يقلل من هذه الخبرية المتوالية وينوعها، على الرغم من المباشرة الواضحة في الأبيات:
وطني يا مطلع الفجر المنير
والضحى المشرق بالخير الوفير
وطني يا معقل الدين الحنيف
عزمه الجبار مصقول رهيف
وطني يا مبعث الخلق الرصين
وعليه أنت في الدنيا أمين(54)
ومن هنا فإن الوطن هنا بتراثه وألقه الحضاري يصبح موضع النداء وموضع الخبر «يا معقل الدين» ثم تأتي الخبرية «عزمة الجبار مصقول رهيف» ثم «يا مبعث الخلق الرصين» بندائيتها التي تواجه الخبرية في عجز البيت ذاته «وعليه أنت في الدنيا أمين».
شعراء المرحلة الثانية
يفترض أن تمثل هذه المرحلة امتدادًا للمرحلة الأولى التي ركز فيها الخطاب الشعري الوطني على الدعوة والاعتزاز بتاريخ هذا الوطن، واستحضار مستقبله الذي رآه الشعراء مزدهرًا رائعًا، وقد مهد الشعراء الأوائل لشعراء هذه المرحلة الطريق إلى استحضار الوطن والحديث عنه، والتعلق به.
عايش شعراء هذه المرحلة النهضة الحقيقية في شكلها الرائع، بعد أن عاش كثير منهم طفولته وبلاده تشهد نوعًا من النقص وعدم اكتمال البنى التحتية، فكان شعرهم امتزاجًا لبداية الازدهار، وعكسًا لهذا التلاحق المتتابع في منجزات بلادهم..
كانت دوائر حديثهم عن الوطن تتجه نحو أبعاد الحب والولاء، واستحضار تاريخه وأمجاده، وتصوير منجزاته الحاضرة، واستحضار قصة وحدته عبر الحديث عن بطلها الملك المؤسس «عبدالعزيز» يرحمه الله..
لقد كان الشعراء موزعين في مشاعرهم الوطنية إلى مضامين تحتاج كل واحدة منها بحكم أهميتها وتجليها في تاريخ وحاضر الوطن إلى التعبير، ولذا كان الشعراء يزاوجون بين دوائر «التاريخ» ومعطياته الدينية والحضارية، و«المكان» بامتداده التاريخي وحضوره الحضاري، و«الإنسان» الفاعل تاريخيًا وآنيا، و«الإنجاز» المتمثل في التطورات المتلاحقة التي يصعب تصورها بحقيقتها المتحققة وفق شرطها «الزماني والمكاني»، لقد كانت الكثافة المضمونية لهذا الوطن ضربة لازب تمثلت أمام شاعر هذه المرحلة، الذي عايش هذه التطورات المتلاحقة، وإذا كانت التجارب الشعورية تحتاج إلى مهاد زمني واسع للتملي والتأمل والتمثل فقد كان شاعر هذه المرحلة أمام متلاحقات ومنجزات حضارية متتابعة، وماض عابق بالمنجزات، فقد كان موزعًا بحكم حجم تجربته الشعورية بين عدد من المضامين، وكان لذلك ينساق إلى هذا التنوع الذي أثرى وحدة العمل الموضوعية والعضوية بنصوص شعرية مكثفة، استطاعت أن تطامن من البعد التاريخي، وتحد من الوصف التقريري في صورة مكثفة دالة، وتأتي قصة توحيد المملكة أنموذجًا واضحًا للحدث التاريخي المعلن والمكرر مع كل مناسبة، بيد أن الشاعرية تحيله إلى صورة فنية، تفيد من «القصة» في إدهاشها ومن «الصورة» في تكثيفها، ويأتي «عبدالعزيز» رمزًا دالًا وفاعلًا في هذا التناول بطبيعة الحال، لكنه يتحول فنيًا إلى «الرمز» المنقذ الذي تنتظره الصحراء والجبال والوهاد! يقول غازي القصيبي مستخدمًا «الانزياح» الكامل عن المعنى المقصود في بدء قصيدته، عبر استحضار شخصية قيادية مؤثرة، تخاطب باستغاثية فخرية، تتجاوز الإنسان إلى المكان بسمائه وأرضه:
أسرج حصانك.. قرن الشمس ينتظر
وهز بندك.. يسمع خفقه الظفر
تنفست لهفة الصحراء عن نبأ
عذب كما سال في قلب الظما المطر
هل جاء؟! ماست بها الكثبان والهة
هل جاء؟ غنى بها في الخيمة السمر
الفجر لاحت رياض العز وابتسمت
«هنا التقى فارس والشعب والقدر»
تغفو الجزيرة حينًا.. ثم يوقظها
صدى الأذان فيندى الموسم العطر(55)
إن الاتجاه نحو «الصورة» يعكس فنية الشاعر المتجلية، وقدرته على رصد الحركة التاريخية من خلال السرد الصوري الذي يبدأ مفاجئًا، معتمدًا على إثارة التساؤل، مستحضرًا تاريخية المهمة، وحضورها اللافت، حتى أصبحت مهمة نوعية ستغير، وتثير وتثري وتأتي دلالة «قرن الشمس» في البيت الأول حاملة إشارية «جغرافية» واعية، حيث الانطلاق من الكويت شرقًا نحو الغرب، كما أنها تشي بحمولات المفارقة حيث الليل الذي ناء بكلكله على القبائل المتناحرة المتواجهة:
في كل شبر دويلات مبعثرة(56).
ثم تأتي الصورة الأخرى منتزعة من البيئة الصحراوية، كما كانت سابقتها، بيد أن لهفة الصحراء هنا تأتي مواجهة لانتظار قرن الشمس، كما يأتي «سماع الظفر لخفق البند» مواجهًا «لسيلان المطر على قلب الظما»، وكأن الإشارة هنا تحيط بأبعاد رأسية وأفقية تنتظر هذا الفارس، حيث يغدو «المطر» هنا رغم دلالاته المختلفة متسقًا مع الظمأ، فهو غيث الرحمة، وماء الحياة للصحراء التي أهلكها الظمأ، فبات شوقها متلهفًا للقاء المرتقب.
ويركز الشاعر على الصورة الأخرى التي ظهرت بعد حضور البطل، فحين كان فعل «الأمر» واضحًا في شطر البيت الأول، تحول الفعل في عجزه إلى «المضارعة» إمعانًا في حركية الصورة وتواصلها، كما اختلف المعجم من «أسرج - وهز» وهما دالان على الحقيقة إلى استعارية تفتح المجال لبناء الصور المتتالية المتلاحقة «يسمع خفقة - قرن الشمس ينتظر» وما بين سماع قرن الشمس، وتنفس الصحراء إشارة إلى شمولية الحركة وتواصلها واتساعها.
هذه الحركة التاريخية عند «القصيبي» التي تستجلي قصة الفعل، تتحول عند «إبراهيم مفتـاح» إلى مجموعـة من الصور المتناثرة، التي تأتي هنا فتنة للعين، وسحرًا، وألقًا...
هذي المفاتن في عينيك تأتلق
وفي لحاظك هذا السحر ولألق
وفي ثراك من التاريخ أوسمة
تلملم الشمس أعراسًا وتنطلق
فأنتِ يا موطني ماض يعانقه
زهو البطولات والإشراق والعبق
وأنت في حاضر تكسوه أجنحة
علوها من بياض الصبح ينبثق(57)
تقف الشاعرية هنا أمام المعطى التاريخي والواقع الحضاري، وتنطلق بحكم تجربتها الشعورية نحو الحاضر المزدهي المؤتلق، لكنها لا تستطيع أن تخلص معجمها من التراث، حيث «العين الفاتنة»، و«اللحظ الساحر»، هما فتنتا الشاعر العربي قديمًا وحديثًا، بيد أن عمق التجربة وكثافة المشاعر، يحيل العشق إلى «الوطن»، وتأتي «الشمس» التي كانت تنتظر وتحفز عند القصيبي، «شمسًا» شاهدة على التاريخ الطويل لهذه الأرض، وحاكية متجددة لإنجازاتها عبر حركتها المستمرة التي أضحت مرتبطة بأوسمة الأرض، وتصبح الأرض مانحة الشمس هذا السمو والتجلي والحضور!
وتتماهى الذات الشاعرة مع «الأرض» الوطن، حين يتحول العشق والفخر إلى ملامسة ومحاضنة، ففتنة العين، وألق اللحاظ الساحرة، يحيل إلى هذا العناق! لكنه عناق من نوع خاص، إنه عناق الوجه بدلالته العربية السامية مع الأرض وترابها:
دعني أقبل ظلًا فيك أنبتني
وفي ترابك بالخدين ألتصق
واضمم جناحي في دفء الحنان ضحى
وحين يهطل فيك الطل والغسق
فأنت في مهجتي نبض وفي قلمي
حرف وفي كل عام يزهر الورق(58)
لقد تحولت دلالات العشق العربية من «المرأة» إلى «الوطن» لدى إبراهيم مفتاح، وإذا كان حضورها الغزلي العاشق تراثيًا يصنع هذه العلاقة التي تبدأ بالنظرة المعجبة وتنتهي بالرغبة، أو الخيال، أو التحقق الحسي فإن مفتاح هنا يمارس هذا الدور الشاعري مع «الوطن» المعشوقة، إذ يتحول في ختام قصيدته إلى الرغبة في أن يحدث العناق مع التراب، وضم الجناح، بعد أن تُحدث القبلة العاشقة دورها، وبعد أن يكون الالتصاق بين «الوجه العربي» الجاه، العزة، العرض بدلالاته بالتراب، عندها يحدث امتزاج الحبيب بمحبوبته امتزاجًا روحيًا خالصًا:
«فأنت في مهجتي نبض وفي قلمي = حرف.....
وهي إشارات تتسق مع نبع الخير، هذا النبع الذي لا يزال يروى المنجز المكاني والإنساني؛ ولذا يتحقق الوطن الحلم والإنسان الحلم، واقعًا رائعًا مثاليًا.
إنه الوطن الذي يعيد صياغة النفس، ويمنحها النور في معادلة محفزة على التأمل، وعبر هذه التفاصيل التي رصدها الشاعر متتابعة فيما بعد... إنها العادية التي تصنع البراءة، وتمنح الأمان، وتدعو للسلام.
شعراء المرحلة الثالثة
يأتي شعراء هذه المرحلة ممثلين غالبًا لنتاج شعري أكثر حداثة زمنية من غيرهم ولذا فإنهم يمثلون مرحلة لما تزل قابلة للإضافة والتنوع عبر المنهج الشعري الفردي للشعراء أنفسهم، أو ظهور أصوات شعرية جديدة... وهم مع ذلك يتداخلون مع الشعراء السابقين إذ لا يمكن الفصل بينهم فصلًا قاطعًا وحاسمًا.
ينطلق هؤلاء الشعراء من خلال رصيد شعري مميز سبقهم إليه شعراء الوطن في مرحلته الأولى والثانية، ولذا فهم يقدمون تجاربهم محاولين الإضافة والتجاوز، ويوفق بعضهم إلى ذلك، ويكون للآخرين نتاجاتهم الشعرية الوطنية التي تعيد تكرار رؤى وفنيات الشعراء السابقين، محاولين أن يختطوا لذواتهم الشعرية مكانًا مميزًا، ستظهر جماليته واستقلاليته المتماهية والمتجاوزة في الوقت ذاته تجارب الشعراء السابقين.
ويلحظ الراصد لنتاج هذه المرحلة توجهًا فنيًا متممًا للفترات والتجارب السابقة عبر استحضار «الوطن»، ضمن دائرة حب خالصة، تتجلى فيها «الذات» الشاعرة عاشقة معجبة متماهية، منطلقة إلى أداتها الفنية وهي تستحضر وتتملى وتفيد من آلياتها الشعرية في رصد هذا الحب، وربما ساعد هؤلاء الشعراء في ذلك استلهام الشعراء السابقين، ووجودهم ضمن إطار زمني مستقر سياسيًا واجتماعيًا، ومعايشتهم لظروف اقتصادية رائعة منذ بواكير حياتهم الأولى تقريبًا، ولذا تجد كثيرًا منهم يتناولون الوطن في أكثر من قصيدة شعرية، ويلونون هذا العطاء الشعري بالصورة والرمز والتكثيف اللغوي، والتنوع الموسيقي، حيث يكتب صالح الزهراني في ديوانه «تراتيل حارس الكلأ المباح»(59) قصائد وطنية منها «تصنيف» و«نبوءة العمائم» و«غنائية لجبين القبلة» وفي ديوانه: «ستذكرون ما أقول لكم» يكتب «خصوصية» وفي ديوانه «فصول من سيرة الرماد يكتب «من تراتيل حارس ابن قتيبة»، فيما يكتب إبراهيم صعابي مجموعة من القصائد الوطنية، ويخص الوطن بعنوان أحدها وهو: «وطن في الأوردة» ويكتب ضمن قصائده «حبيبتي هذه الأرض» «زمن يزف لموطني أحلامه» و«وطن في الأوردة» وفي ديوانه «وقفات على الماء» يكتب قصيدته «من أجل عينيك يا وطني» ويكتب في ديوانه «وطني سيد البقاع» قصائد «وطني ابتهج» و«غيمة الوطن» و«قلادة للوطن»، ويكتب عبدالله بن سليم الرشيد في ديوانه «خاتمة البروق» قصائده «قصيدة للوطن» «أنت الكبرياء» «خواطر للوطن»، ويخصص حسين النجمي أحد دواوينه للوطن هو ديوان «قبلة على جبين الوطن» ومن ضمن قصائده فيه «مهوى القلوب» «صباح الخير يا وطني» «هنا نجد ومجد» كما يخص الوطن بمجموعة من قصائده في ديوانه « تأملات على مرافئ الغربة» وهي «أرض القداسات» «راية التوحيد» «مملكة الحب» «العيد في بوابة الوطن» وفي ديوانه «عيناك في وقت الرحيل» يكتب قصيدة «من تباريج الغربة حنين إلى الوطن» كما يكتب خالد الحليبي في ديوانه «على جناح الغادية» «وطني أحبك» و«المواطن والوطن عناق الروح والبدن»، ويكتب فيصل محمد كابلي في ديوانه «فجر الجزيرة» قصائد «المجد» و«وطن السعود» و«حبيب القلب»، ويكتب إبراهيم طالع في ديوان «سهيل إيماني»، ويكتب أحمد التيهاني في ديوانه أماريق قصيدة «مائة زمان النور» كما يكتب في ديوانه فاعلاتن «المتدارك الأخير» «بهو الوطن». كما يكتب حسين سهيل في ديوانه و«للأقمار باب» قصيدة «موطني والحقول» «يا وردة في عيوني»، كما يكتب في ديوانه «أشرعة الصمت» «وحاضرنا جميل مورق» وقصيدة «في دمي.. تركض أحلام الوطن»، كما يكتب نواف الحكمي في ديوانه «عندما تسافر العبرات» قصيدتي «طيف على جبين الوطن» و«وطني».
وتتنوع الموسيقى الشعرية حيث تدخل قصيدة الوطن التفعيلية بوضوح في ديوان يوسف العراف «الرمل ذاكرة والريح أسئلة» وفي قصيدته «أبجدية الرمل» و«صباح وصحو وانتماء» ويكتب أحمد التيهاني في ديوان «فاعلاتن» قصيدتين هما «المتدارك الأخير» و«بهو الوطن».
كما يكتب أحمد قران الزهراني في ديوانه «دماء الثلج» قصيدة «قبلة الصحو والوسن» ويكتب محمد الصفراني في ديوانه «المدينة» قصيدة «وطني».
ويمكن الحديث عن الآليات الفنية لدى شعراء هذه المرحلة من خلال بعض العناصر التي تكشف جانبًا من جوانب هذه الآليات، ومنها الصورة التي تأتي هنا ذات دلالات إيجابية تبدأ من عشق الشاعر، وعمق تجربته الشعورية، وصدقها، ومحاولته استثمار هذه الطاقة الفنية لتصنع معادلًا موضوعيًا فنيًا أمام تألق وطنه وحضوره ومنجزه الحضاري.
إنها تأتي بدءًا ملبية هذه الرغبة، ومن خلال استحضار عناصر الصورة من تداخل الذات مع عالمها الخارجي واستفادتها من هذا العالم في صنع الصورة عبر تأليف تفاصيل متنوعة لهذا العالم، وتأتي الصورة لدى هؤلاء الشعراء مشكلة من قالبها البياني التشبيهي المعتمد صراحة على عناصر التشبيه، كما تأتي أحيانًا من خلال رسم فني لها يعتمد على مهارة هؤلاء الشعراء في صناعة الصورة عبر أداتهم اللغوية التصويرية التي لا تعتمد على التشبيه مباشرة، ولذا تجد لدى بعض هؤلاء الشعراء هذا التنوع في رسمها، فصالح الزهراني يزاوج في قصيدته «نبوءة العمائم» بين صناعة الصورة التشبيهية، وتقديم اللوحات المتنوعة من خلال خياله، واعتماده على التأليف بين المختلفات.
مسترسل مثل ماء النبع يا بلدي
تهمي زلالًا ولا تلوي على أحد
من طينة النخل معجون ومغتبق
من ماء زمزم مفطور على الرشد(60)
ينطلق البيت الأول من بنية تكاد تسيطر بصورتها التشبيهية على القصيدة، حيث تتكرر الصورة التشبيهية على نمطها البلاغي، فهو يعيدها مرات أخرى «مسترسل مثل ماء النبع مبتهج»، «مسترسل مثل نوء الشعر» بيد أن الصورة التشبيهية هنا، وإن ارتهنت تراثيًا إلى صورتها البلاغية، إلا أنها تفجر عبر المشبه به طاقات أخرى من الصور الجميلة المتجددة، وتأتي إشارية «الماء والنبع» علامة معجمية لها دلالاتها الفنية البديعة، حيث يشكل «الوطن» «الماء» ثنائية رائعة لن يكون أولها صناعة أبجدية الحياة واستمرارها، ولن يكون آخرها انهمار الشلال وتجدده وتشكله في صورة بديعة متعاقبة.
وتبدو الصورة لدى صالح الزهراني فتنة لا يزال يحرص على تشكيلها في صور متعاقبة متلاحقة، وتأتي لفظة «مسترسل» أسًا لكثير من أبيات هذه القصيدة، فالنبع مسترسل ومبتهج ونوء الشعر مسترسل ، وهي صور تشي بالحركة والتجدد مما يعكس قدرة شعرية يقظة، استطاعت أن تحيل الصورة إلى تكثيف متجدد من الدلالات المتتابعة، ويبدع الشاعر وهو يرصد الصورة التشبيهية في تغييب فني متعمد للمشبه به، حيث يضحى المشبه به مستحيلًا في لفتة فنية تشي بحجم التجربة الشعورية، واستثمارها الفني في تغييب المشبه به:
نقبت عن وجهك العشبي ما وجدت
عيناي وجهًا كهذا الوجه لم أجد
يا ملهمي كل يوم ألف والدة
لكن مثلك هذا الكون لم يلد
إن كاف التشبيه في البيت الأول ومثلك في البيت الثاني تصنع التشبيه الذي لا يفضي إلى شيء، رغم حالة التنقيب بدلالاتها الجادة، وحالات الولادة بأعدادها الكبيرة، ويتجاوز صالح الزهراني في قصيدته البناء التقليدي لحب الوطن، ليضع لغته الشعرية الخاصة به، حيث تتوالى الصور المتتالية حتى ليكاد كل بيت يصنع صورة مستقلة، وتأتي الألفاظ والتراكيب لديه مختارة بعناية شديدة، لتعطي ظلالًا من دلالات رائعة، ومن هذه التراكيب تمثيلًا فقط « شلال ضوء - تهمي زلالًا- عقود دالية- أشهى من الغيث رنانًا بلا برد، صبحًا ولدت - وجهًا ناصعًا - حبل نور - أنشودة الأمد - وجهك العشبي - عشق ملحمة غمامة عطر - لغة الأحلام» وهي تراكيب تصنع لها عالمها الخاص، بيد أن الشاعر رغم ذلك يوظفها توظيفًا فنيًا في رسم لوحاته المتكررة المتنوعة، مما يدل على تمكن من أداته الفنية، ورحابته الخيالية، وغنى معجمه اللغوي، وهو ما يحتاج إلى حديث أكثر تفصيلًا وبحثًا..
لقد كانت هذه الصورة المتحركة الموارة كانت جزءًا أساسًا من حركية بناء الصورة الوطنية، ولعل ذلك يعكس هذا الشعور الذي يستبطن المخيلة الشعرية وهي ترصد تحولات الوطن، ومنجزاته المتجددة، وهي صورة تعكس حالات البياض والصفاء والطهر:
يقول إبراهيم صعابي:
متوهجًا كالفجر في وجه الدنى
كالنور في قلب الضحى الوثاب
يا مورقًا بالطهر دفاق السنا
ها قد عرفت حقيقة الأصحاب(61)
ويقول أيضًا:
تختال في دمنا نبضًا وأوردة
تختال نورًا من الآيات والسور(62)
ويقول:
حبيبتي أنت كل الوجد أسكبه
أما ترين لهيب الشوق يشتعل(63)
ويقول:
والغيث يتلو الغيث في شرفاتنا
فجر أطل من الندى ويقين
زمن من المطر المعطر بالضحى
يهفو إليه شاعر مفتون(64)
وهي الصورة الموارة المتجددة لدى عبدالله الرشيد:
هطولك في مدى النجوى سعود
ترف على مشارفك البنود
تنادمك النجوم هوى وحبًا
ويسمر حول موقدك الوجود
أراك برغم من حقدوا سحابا
قصاراه إلى الأفق الصعود(65)
ويقول حسين النجمي:
أرض القداسات فيك النور قد ظهرت
شموسه وظلام الشرك كالزبد(66)
ويقول في قصيدة أخرى:
تألقي في سماء المجد وانتصبي
يا نجمة الشرق يا نوارة الشهب
يا ومضة من عيون الليل ساهرة
تلوح في معصم الآفاق كالذهب(67)
ويقول:
أنت أرض سطع النور بها
فمحى عنها عناء الصفد
تنتشي الآفاق من روعته
وتغنيه غناء الرغدِ(68)
ويقول خالد الحليبي:
الفجر أنت وشوقه المتدفق
والحب أنت وعطره المترقرق
أنت الحياة إذا تنفس وردها
وحنت عليها الغاديات الغدق
شماء مثل هوى الغصون تطلعًا
للشمس تشمخ في السماء وتسمق(69)
ويقول فيصل كابلي:
رضيت بأن لي وطنًا كريمًا
ومن إيثاره ذا الكون غنى(70)
ويقول في قصيدة أخرى:
هات المزامير واصدح متقن النغم
وغن مجدًا يسامي شامخ القمم(71)
ويقول حسين سهيل:
أمنياتي بأن أراك شموخًا
مثلما أنت مثلما أن تكوني(72)
ويقول نواف الحكمي:
والبدر سكناه السماء وأنت يا
وطني تطل على البدور وتسفر
قد أنجبتك الشمس، أمك لم تزل
تحنو وأنت لها تبر وتشكر
وطني منار الحب منذ ترددت
أصداء (اقرأ) مذ تفجر كوثر
يتدفق الإبداع منك جداولًا
بجمالها قلب الطبيعة يفخر
وطني اتكأت على ذرى الجوزاء مفـ
ترًا، فلا وحل هناك وعثير
وطني ستبقى للخلود منارة
بيضاء يعلوها السنا والجوهر(73)
ويقول إبراهيم طالع:
أأقول أنذرني بوأد مشاعري
أو قتل عيدي حين صرت كمالا
صنع الهوى في مقلتي مواقدًا
للعشق فاحتملي له الإشعالا
من أين يبدأ بي الهوى وربابتي
نشوى وجمر الشوق بات ظلالا؟(74)
ويقول علي الثوابي:
هذي بلادي قد تلألأ عقدها
وشدا لها في عرسها ولهان
شمخت جبال واستطال إباؤها
وسقى بها خضر الربى هتان(75)
ويقول عبدالله الزمزي:
من ينادي؟ وأي صوت حبيب
همت فيه ويا ترى هل عناني
إنه موطني فيا مجد صع�'ِد
نظرًا في السماء كيما تراني(76)
ينساق الشعراء في صناعة «الصورة» هنا إلى اللجوء إلى معجم متقارب، وهو معجم يشير ويعكس إلى حد بعيد حالتهم الشعورية مع هذا الوطن الممتد، الذي يرونه شامخًا متسعًا مليئًا بالإنجازات المتلاحقة، فتأتي الصورة عاكسة لرغبتهم في ملاحقة الاتساع والامتداد والحركة الحضارية الموارة، وهي أبعاد خارجية تتكئ الصورة عليها أحيانًا، وتعود إلى ذاتها أحيانًا أخرى، بيد أن الفتنة التصويرية بالعالم الخارجي هي التي تتسيد الصورة هنا، ولذا تأتي الألفاظ عاكسة لمشاعر الحياة والاطمئنان والازدهار والنمو، كما هي عاكسة للحظات الإنجاز المتسارعة في وطن ممتد واسع، ولذا تأتي دلالات الماء هنا لتشي بدلالة الحياة التي يصنعها الماء، ويصبح جزءًا أساسًا فيها، وتتحول المعادلة هنا، فبعد أن كان العربي يلاحق الغيث، ويتوق إلى نوئه، ويستبشر بهطوله وتدفقه، ويتغنى بلحظات العشق للمكان حين يستقبل الماء، أضحى الوطن هنا معادلًا فنيًا لرمزية هذا الماء عند الشاعر العربي الذي تغنى به في تراثه ويأتي الماء «أو «الوطن الماء» متدفقًا من العلو، أو متفجرًا من الأرض؛ ليحكي هذا العشق البشري المحتاج لهذا التدفق، يأتي الماء بدلالاته المتنوعة لدى الشعراء كما في أبياتهم السابقة من خلال ذكره مباشرة، أو ذكر متعلقاته المتنوعة، حيث تراه لدى الشعراء حاضرًا من خلال معجم متقارب فتجده لدى صالح الزهراني «ماء - نبع - زلال»، ولدى صعابي «الغيث - الندى - المطر» ولدى الرشيد «هطول - سحاب»، ولدى النجمي «سماء» ولدى الحليبي «الغاديات، الغدق» ولدى نواف الحكمي «جداول» وعند الثوابي «هتان».
هذا المعجم الشعري الذي يصنع الصورة، معجم ينساق بفعل طبعه البشري، وعلاقته التاريخية بالإنسان العربي ساكن الجزيرة، ليتحول إلى غيث جديد، ومطر يحتاط في ذكره «صعابي» ليكون مطرًا مفسرًا للغيث في بيته السابق، وليس مطرًا آخر!.
إن استحضار الصورة هنا ليحيلنا إلى لون أخاذ من العلاقة التي أراد لها الشاعر أن تكون علاقة عشق تعلق، بيد أننا نلمح فيها معاني أخرى ساقت الشاعر قصدًا أو بغير قصد إلى استحضار علاقته بالوطن، علاقة ذلك البدوي الذي يعشق الغيث ويطارده ويتابع أخباره، ويضحي الشاعر الذي كان الغيث موطنه، ومحل إقامته شاعرًا آخر! أضحى الوطن هو غيثه وحياته، ومصدر طمأنينته وسعادته، وتصبح العلاقة بالوطن في تأمله وانتظار خيراته وعطاياه، هو ذلك الغيث الذي كان ينتظره الشاعر ويقيم تحت عطائه وبذله! لقد كانت ملاحقة الغيث قديمًا هي حضور الوطن، وكان الاحتفال بهما لدى الشاعر قديمًا وحديثًا، هو احتفال الحياة أساسًا، وهو الارتباط الكوني القدري بين العربي وغيثه، والسعودي ووطنه! ولذا تأتي الصورة محملة بالعالم الخارجي الذي كان عالم الشاعر العربي، حيث كانت السماء بنجومها وآفاقها وغيثها وشمسها وهلالها وسحابها هي مصدر إلهامه وتأملاته، كما كانت الأرض بخيراتها وزهورها هي فتنته على الأرض؛ ولذا يأتي «الوطن» اليوم معادلًا لكل هذه المعطيات الكونية التي احتفل بها الجد العربي القديم وجاء أبناؤه ليكون الوطن معشوقًا جديدًا، رأوا فيه كل أساسيات الحياة، وكمالاتها التي احتاجها العربي القديم وتغنى بها في نهاره وليله!
يأتي الوطن ملبيًا لهذه الحالات المتوهجة من العشق. «متوجهًا كالفجر - كالنور في قلب الضحى - مورقًا بالطهر - الغيث يتلو الغيث - فجر أطلَ زمنًا من المطر المعطر - هطولك في مدى النجوى - تنادمك النجوم - يسمر حول موقدك الوجود - سحابًا قصاراه- إلى الأفق الصعود- ظهرت شموسه - تألقي في سماء المجد - يا نجمة الشرق - ومضة من عيون الليل ساهرة - تلوح في معصم الآفاق - سطع النور بها - تنتشي الآفاق - الفجر أنت - إذا تنفس وردها الغاديات الغدق - هوى الغصون تطلعًا للشمس - تشمخ في السماء - الكون غنى - شامخ القمم - تطل على البدور - أنجبتك الشمس - منار الحب - يتدفق الإبداع منك جداولًا - ذرى الجوزاء - يعلوها السنا - شمخت جبال - سقى بها خضر الربى هتان» إنها العلاقة القديمة تعود مجددًا لدى الشاعر عبر وطنه، ولذا يستحضر الشاعر هذا الإرث التاريخي والإبداعي موظفًا له توظيفًا جديدًا، وهو توظيف يلبي حاجة الشاعر إلى لغة فنية تواكب امتداد هذا الوطن وسعته، كما أنها في الوقت ذاته صور تعكس حركية دائمة بين الأرض والسماء، بين العطاء بلا من، بين البذل دون انتظار مقابل وهي كذلك صور تحكي في حركتها وبنائها الفني، معاني متنوعة تشير كلها إلى النماء والازدهار والحياة الناعمة الهانئة، وهو ما يراه الشاعر ماثلًا أمامه في وطنه.
هذه الحركية الخارجية المتوهجة هي التي تحاول «الذات» الشاعرة أن ترصدها، متكئة على قدرتها في إيصال حركية داخلية يشعر بها الشاعر، ويرى العالم الخارجي بحركتيه تنفيسًا لعالم داخلي يشعر به، ولذا يتجه الشعراء غالبًا إلى هذا العالم الخارجي للكشف والتنفيس والتعبير، بيد أن بعضهم يعود إلى هذه الذات في مساءلة لها، وكشفًا لتوهج مشاعرها، ولذا يأتي البناء الشعري متكئًا على هذه الذات التي تحب وتعاني وتواجه ثم تنطلق إلى عالمها الداخلي بفعل جملة أو سؤال أو إنكار! ولذا تبدو الجدلية المنطقية متلبسة بروح الفن والإمتاع والإقناع في آن، حيث تغدو الذات الداخلية منصهرة في الحب متجاوزة عالمها الخارجي إلى عالم أكثر عمقًا وجدلية موارة «بالمونولوج» الذي يرصد ذاتًا تتكئ على قناعاتها في مواجهة عالم خارجي رافض أو شاك أو متسائل! وهذا ما يمثله إبراهيم طالع في قصيدته «لا خلاف» وصور جانبًا منه عبدالله الزمزمي في قصيدته «إنه موطني». ويبدو عنوانا القصيدتين منذ البدء يشيران إلى هذه الحوارية التي تظهر في نفي الخلاف، وهو خلاف بين جهتين، وإنه موطني، وهو تأكيد يستولد قبلًا سؤالًا واقعيًا أو افتراضيًا مشككًا على ما يتبناه البلاغيون في علم المعاني، حيث يأتي الجواب بالتأكيد «بأن�'َ» دلالة على حالة المخاطب التي يصنعها السؤال.
يأتي الخلاف لدى طالع مثيرًا للإيمان، متجهًا إلى الحقيقة، حتى ليغدو السؤال عن حب الوطن سؤالًا غريبًا، ويضحي التنظير له، نوعًا من العماية التي لا تزيد الشاعر إلا كفرًا وجحودًا للعلم، وتأكيدًا على موضوعية وفتنة الحب والعشق ولذا يتحول الحب إلى ألوانه المتنوعة التي تتنوع لتجيب ضمنًا على سؤال الخلاف إجابات ساخرة في ظاهرها! عاشقة متجلية في باطنها، إنه حب التبتل وحب الكبرياء، وحب الجمال وحب القسوة أيضًا، إنه الحب الذي تتلون فيه المعشوقة دلالًا ورقة وتصحرًا وربعًا خاليًا أيضًا، إنه حب الري والظمأ، بل يتطور العشق برغم عذل العاذلين، ليصبح العاشق متوسلًا لمعشوقته لتتحمل هذا الحب، حيث يضحي منطقه غريبًا إذ يتحول إلى مناجاة معشوقته بأن تتحمل.
صنع الهوى في مقتلي مواقدًا
للعشق فاحتملي له الإشعالا
وتغدو حالة الحب هنا تجربة فريدة، تتواءم مع السؤال «القادح» الذي أشعل منطقه هذا التكتل حول الذات العاشقة ومعشوقتها الوطن، وغدا الخطاب هنا نوعًا من الكشف والتجلي البياني الذي يغوص في أعماق الذات مع كل لحظة يتردد فيها السؤال - الخلاف! وهو سؤال يعامل بنقيض قصده، حيث تتحول قصيدته المشكلة بدلالاتها المختلفة إلى الإيمان واليقين والاعتقاد! ويأتي استحضار «قيس» صورة موحيه لسادية عاشقة تستلذ تعذيب ذاتها! إذا كان ذلك إرضاء لهذه المعشوقة، التي التحم فيها المكان وتوحد في وطنية جمعية أضحى العيد لها إعلانًا للتحول الرائع نحو الوحدة والألفة، وجوابًا يقينيًا لكل صوت مختلف متشكك.
ويأتي الصوت المثير للواعج الألم لدى الزمزمي مختلفًا عن سؤال طالع، فهو لدى الزمزمي سؤال الذات ذاتها! سؤال واقع الإنسانية المهدر حول الوطن سؤال الظلم الذي تعانيه «الذات» لتضحي هيكلًا من هول الطعنات والجراح التي لم تجد نصيرًا لها! بيد أن الوطن هنا يصبح لدى «الزمزمي» حالة خلاص، وطوق نجاة أمام هذا الواقع المر، إنه الوطن الذي يأتي في لحظة الذهول والألم معلنًا الخلاص النفسي عبر استحضار تاريخ الوطن الذي يصبح أملًا في الخلاص:
فتلفت في ذهول فنادى
هاتف يبعث الرضا في جناني
من ينادي؟ وأي صوت حبيب
همت فيه.. ويا ترى هل عناني
إنه موطني فيا مجد صعد
نظرًا في السماء كيما تراني(77)
إن الحوارية الداخلية هنا تبدأ قبلًا من عالمها الخارجي المحيط بالوطن، حيث المآسي في العراق وطعنة الخليج، وهموم الأمة، وهي مآس حملت بكللها على قلب الشاعر الذي لم يطقها، وراح يندب ويتألم حتى أطل «الوطن» فكان مخلصًا لهذه المعاناة، عبر أمل يمنحه، ونور يضيئه في حلكة الظلام؛ ولذا يعود الشاعر متمالكًا ذاته ومشاعره ليرسل للوطن اعتذاره عن الوصول إلى حد الصمت الذي يغني عن كثير من الكلام:
تشتكي أحرفي قصور المعاني
ويشيخ السكوت فوق لساني(78)
لقد جاءت الحوارية هنا محتدمة الصراع والألم، عبر مؤثرها الخارجي، ورسمت جزءًا من هذا المونولوج وإن كان لدى «طالع» أكثر جدلية وحدة حيث تبني القصيدة جدلًا ظاهريًا أكثر عمقًا، وأقدر على صناعة حوارية ذاتية يعلن العشق حكمها ومصيرها المنطقي، عبر آلية فنية مصنوعة بحبكة متماسكة، تفيد من دلالات وآليات عالمها الفني والفكري.
الهوامش:
(1) تدور معاني الوطن في قواميس اللغة القديمة على أنه «منـزل الإنسان ومحل إقامته»، ينظر لسان العرب م15ص 338 مادة وط ن، والقاموس المحيط ص 1598 وتضيف بعض المعاجم الحديثة «وإليه انتماؤه ولد به أو لم يولد» المعجم الوسيط ص 1085.
(2)يمكن أن يراجع مفهوم الوطن بتوسع في الكتب الآتية: الوطنية ومتطلباتها في ضوء تعاليم الإسلام «لسليمان الحقيل ص 19 و«المواطنة ومفهوم الأمة الإسلامية» لعبدالرحمن الزنيدي، ص7، وبحوث «الرؤية الإدارية في الواجب الوطني» ص30-67-83-151.
(3)في ظلال القرآن، 3 / 1413.
(4)موقع قناة العربية, برنامج «إضاءات».
(5)ينظر الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر لمحمد محمد حسين جـ1 ص 21+68+69.
(6)ينظر: مذاهب فكرية معاصرة، ص 577.
(7)مفهوم الوطنية، الوطن المجتبى منذ 15 بليون سنة، زين العابدين الركابي، ص 43-44.
(8)جامع البيان عن تأويل القرآن، م4، ص 160.
(9)الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، م1 ص 562.
(18)ينظر كتاب «الرؤية الإدارية في الواجب الوطني»، إمارة المنطقة الشرقية من ص21 إلى ص98.
(19)عن دار الجيل، بيروت عام 1413هـ - 1992م.
(20)إشراف أ.د.عبدالله باقازي، عام 1422هـ/2..1م.
(21)ملحق « الثقافية» مؤسسة الجزيرة للصحافة والنشر، الرياض، العدد بتاريخ 20-9-1428هـ.
(22)ينظر ملحق جريدة الجزيرة الأعداد 143-144-145-146.
(23)الملحق الثقافي بجريدة الجزيرة، العدد 146.
(24)السابق، العدد 145.
(25)انظر وحي الصحراء، جـ1 ص ب، وانظر على سبيل المثال قصيدة حنين إلى الوطن جـ1، ص208.
(26)التيارات الأدبية ص ح.
(27)انظر: شعراء الحجاز في العصر الحديث، ص 334-193-154.
(28)ينظر: الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية، ص 329.
(29)ينظر: تاريخ الشعر في الجزيرة العربية، ص 186-187-188.
(30)شعراء من المملكة العربية السعودية، ص 90-92.
(31)ينظر: اتجاهات الشعر المعاصر في نجد، ص 338.
(32)ينظر: الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية، ص 265 وما بعدها.
(33)يقول ابن سحمان في مقدمته: «وقد يدل الشعر على سلامة العقل وحسن المعتقد ومتانة الدين» عقود الجواهر المنضدة الحسان، ص2، ومن ضمن قصائده في الزيارة الشرعية والزيارة البدعية ص 12 وما قاله عن الاستواء ص 81-85 على سبيل المثال.
(34)ينظر: العقد الثمين من شعر محمد بن عثيمين، ص 29-142-161 على سبيل المثال.
(35)السابق، ص 134.
(36)ينظر: سعوديات ابن عثيمين، للدكتور/ حسن الهويمل، ص 91.
(37)ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام، ص 394.
(38)ينظر: تاريخ المعارضات في الشعر العربي لمحمد نوفل ص 13 والمعارضات الشعرية لعبدالرحمن إسماعيل ص 19.
(39)أحمد الغزاوي وآثاره الأدبية، ص 308.
(40)ينظر كتاب من شعر محمد بن علي السنوسي، ص 55-61.
(41)حركة الشعر الحديث في عسير، ص 160.
(42)ينظر: مسائل اليوم، ص 471.
(43)ينظر: خواطر مصرحة، ص 40.
(44)ديوان البراعم، ص 45.
(45)انظر: الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني، ص 30.
(46)المدنيات الجزء (الأول) ص 133.
(47)ديوان ضياء الدين رجب، ص 54.
(48)ينظر: «وسائل إقناع الملك عبدالعزيز لبعض المعارضين لدخول السيارة والهاتف» في كتاب خير الدين الزركلي، الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز، ص 741-742-743.
(49)مجموعة النيل، ص 615.
(50)نفسه، ص 616.
(51)نفسه، ص 102.
(52)مجموعة النيل، ص 102.
(53)يرى البلاغيون أن الجملة الخبرية هي ما تحتمل الصدق أو الكذب، بناء على مطابقتها للواقع يراجع في ذلك على سبيل المثال « خصائص التراكيب» للدكتور محمد أبو موسى، ص 48.
(54)مجموعة النيل من 102+103.
(55)السابق، ص 91-92.
(56)يا فدى ناظريك: ص 92.
(57)رائحة التراب، ص 8.
(58)السابق، ص 9.
(59)لن أشير هنا إلى الدواوين أو القصائد، حيث سترد الإشارة إليها فيما بعد.
(60)تراتيل حارس الكلأ المباح، ص 91.
(61)وطني سيد البقاع، ص 5-6.
(62)وطن في الأوردة، ص 53.
(63)المرجع السابق، ص 19.
(64)السابق، ص 16-17.
(65)خاتمة البروق، ص 63-65.
(66)تأملات على مرافئ الغربة، ص 18.
(67)المرجع السابق، ص 9.
(68)عيناك في وقت الرحيل، ص 30.
(69)على جناح الغادية، ص 102.
(70)فجر الجزيرة، ص 66.
(71)السابق، ص 87.
(72)وللأقمار باب، ص 14.
(73)عندما تسافر العبرات، ص 15-16-17.
(74)سهيل ميماني، ص 31-32.
(75)وميض الأفق، ص 96-97.
(76)هذا أنا، ص 82.
(77)السابق، ص 82.
(78)المرجع السابق، ص 83.
المصادر
1.إبراهيم صعابي، وقفات على الماء، الأولى، المدينةالمنورة، نادي المدينة المنورة الأدبي، 1412هـ - 1991م.
2.إبراهيم عمر صعابي، وطن في الأوردة، بدون، جدة، إدارة تعليم جدة، 1421هـ.
3.إبراهيم مفتاح، رائحة التراب، الأولى، جازان، نادي جازان الأدبي، 1416هـ - 1995م.
4.ابن مشرف، ديوان ابن مشرف، الرابعة، الهفوف، مكتبة الفلاح، بدون.
5.ابن منظور، لسان العرب، الثالثة، بدون، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، 1413هـ - 1993م.
6.أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، الأولى، دار إحياء التراث العربي، 1417هـ - 1997م، تحقيق عبدالرزاق المهدي.
7.أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، بدون، دار الفكر، 1408هـ - 1988م.
8.أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، الحنين إلى الأوطان، الثانية، الرائد العربي، 1402هـ - 1982م.
9.أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، المحاسن والأضداد، الأولى، بيروت، دار إحياء العلوم، 1412هـ / 1991م.
10.أحمد التيهاني، فاعلاتن، الأولى، أبها، نادي أبها الأدبي، 1427هـ.
11.أحمد قران الزهراني، دماء الثلج، الأولى، جدة، نادي جدة الثقافي، 1419هـ - 1998م.
12.إميل ناصف، أروع ما قيل في الوطنيات، الأولى، بيروت، دار الجيل، 1413هـ - 1992م.
13.جريدة الجزيرة، الملحق الثقافي، بدون، الرياض، صحيفة الجزيرة السعودية، بدون.
14.حسين أحمد النجمي، قبلة على جبين الوطن، الأولى، أبها، نادي أبها الأدبي، 1427هـ - 2..6م.
15.حسين النجمي، تأملات على مرافئ الغربة، الأولى، أبها، نادي أبها الأدبي، 1417هـ - 1996م.
16.حسين النجمي، عيناك في وقت الرحيل، الثانية، جدة، دار البلاد، 1414هـ - 1993م.
17.حسين سهيل، وللأقمار باب، الأولى، جازان، نادي جازان الأدبي، 1419هـ - 1999م.
18.الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، الأولى، بيروت، المكتبة العصرية، 1422هـ - 2..1م.
19.خير الدين الزركلي، شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبدالعزيز، السابعة، بيروت، دار العلم للملايين، 1997م.
21.د. خالد سعود الحليبي، على جناح الغادية، الأولى، أبها، نادي أبها الأدبي، 1425هـ - 2..4م.
22.د. عبدالرحمن المساعيل، المعارضات الشعرية «دراسة تاريخية نقدية»، الأولى، جدة، نادي جدة الأدبي، 1415هـ 1994م.
23. د.عبدالله أبو داهش، حركة الشعر الحديث في عسير 12..-1380هـ، الأولى، أبها، نادي أبها الأدبي، 1426هـ - 2..5م.
24. د.عبدالله أبو داهش، من شعر محمد بن علي السنوسي، الأولى، جازان، نادي جازان الأدبي، 1412هـ - 2..1م.
25.د. عبدالله الحامد، الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية خلال نصف قرن (1345هـ - 1395هـ) الأولى، المدينة المنورة، نادي المدينة المنورةالأولى، 1408هـ - 1988م.
26.د. محمد المشهداني، حب الوطن في التراث والتاريخ، الأولى، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة (آفاق عربية) 1994م.
27. د.مسعد عيد العطوي، أحمد الغزاوي وآثاره الأدبية، الأولى، بدون، بدون، 1406هـ - 1986م.
28. د.يحيى شامي أروع ما قيل في الوطنية، الأولى، الفكر العربي، 1993م.
29. د.يحيى شامي، أروع ما قيل في الوطنية، الأولى، بيروت، دار الفكر العربي، 1993م.
30. د.بكري شيخ أمين، الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية، الخامسة، بيروت، دار العلم للملايين، 1986م.
31. د.حسن الهويمل، اتجاهات الشعر المعاصر في نجد، الأولى، القصيم، نادي القصيم الأدبي، 1404هـ.
32. د.حسن بن فهد الهويمل، سعوديات ابن عثيمين سنة 1363هـ، الأولى، أبها، نادي أبها الأدبي، 1420هـ - 1999م.
33. د.محمد حسني المصطفى، تاريخ الشعر في الجزيرة العربية، الأولى، حلب، دار القلم العربي، 1419هـ - 1998م.
34. د.محمد محمود نوفل، تاريخ المعارضات في الشعر العربي، الأولى، بيروت، مؤسسة الرسالة ودار الفرقان، 1403هـ - 1983م.
35. د.يوسف العارف، الرمل ذاكرة والريح أسئلة، الأولى، إسلام آباد، بدون دار نشر، 1415هـ - 1994م.
36. سيد قطب، قي ظلال القرآن، بدون، دار الشروق، بدون، بدون.
37. سليمان بن سحمان، عقود الجواهر المنضدة الحسان، بدون، المطبعة المطنوية، بدون.
38. السيد عبيد مدني، المدنيات، الأولى، جدة، دار العلم، 1406هـ - 1986م.
39. الشيخ إبراهيم بن محمد البيهقي، المحاسن والمساوئ، بدون، دار صادر، بدون.
40. الشيخ محمد الشعراوي، تفسير الشعراوي، بدون، القاهرة، دار أخبار اليوم، 1991م.
41. صالح سعيد الزهراني، تراتيل حارس الكلأ المباح، الأولى، الباحة، نادي الباحة الأدبي، 1419هـ - 1998م.
42. ضياء الدين رجب، زحمة العمر، سبحات، رثاء، بدون، دار الأصفهاني، بدون.
43. طاهر زمخشري، مجموعة النيل، الأولى، جدة، تهامة، 1404هـ - 1984م.
44. عبدالحميد عنبر، اللجين المذاب، الأولى، جدة، دار الأصفهاني، 1409هـ - 1989م.
45. عبدالرحمن الزنيدي، المواطنة ومفهوم الأمة الإسلامية، الثانية، الرياض وكالة المطبوعات، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف في المملكة العربية السعودية، 1426هـ.
46. عبدالسلام الساسي، شعراء الحجاز في العصر الحديث، الثانية، الطائف، نادي الطائف الأدبي، 1402هـ.
47. عبدالسلام هاشم حافظ، الأعمال الشعرية الكاملة، الثانية، المدينة المنورة، نادي المدينة المنورة الأدبي، 1413هـ - 1993م.
48. عبدالله بن سليم الرشيد، خاتمة البروق، الأولى، الرياض، نادي الرياض الأدبي، 1413هـ - 1993م.
49. عبدالله عبدالجبار، التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية، بدون، بدون دار نشر، 1959م.
50. عطاالله مسفر الجعيد، رسالة الماجستير، الوطن في الشعر السعودي المعاصر، بدون، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، 1422هـ - 2..1م.
51. غازي القصيبي، يا فدى ناظريك، الأولى، الرياض، مكتبة العبيكان، 1421هـ - 2..1م.
52. الفيروزآبادي، القاموس المحيط، الأولى، مؤسسة الرسالة، بدون.
53. فيصل محمد كابلي، فجر الجزيرة، الأولى، جدة، راسم للدعاية والإعلان، 1414هـ - 1993م.
54. مجموعة من الباحثين، ندوة الرؤية الإدارية في الواجب الوطني، بدون، إمارة المنطقة الشرقية، 1427هـ - 2..6م.
55. محمد الصفراني، المدينة، بدون، جدة، مؤسسة المدينة، 1425هـ.
56. محمد بن عثيمين، العقد الثمين من شعر محمد بن عثيمين، الثالثة، الرياض، دار الهلال، 1980م، جمع سعد الرويشد.
57. محمد جاسم المشهداني، حب الوطن في التراث والتاريخ، الأولى، بغداد، الشؤون الثقافية العامة، 1994م.
58. محمد جمال القاسمي، تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، الثانية، بيروت، دار الفكر، 1398هـ - 1978م، خرج آياته وعلق عليه محمد فؤاد عبدالباقي.
59. محمد حسن عواد، أعمال العواد الكاملة، المجلد الأول، بدون، القاهرة، دار الجيل للطباعة، 1401هـ - 1981م.
60. محمد سرور الصبان، المعرض أو آراء شباب الحجاز في اللغة العربية، بدون، مكة المكرمة، المكتبة الحجازية، 1345هـ - 1926م.
61. محمد سعيد عبدالمقصود وعبدالله عمر بلخير، وحي الصحراء صفحة من الأدب العصري في الحجاز، بدون، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1355هـ.
62. محمد عبدالله بن بليهد، ابتسامات الأيام في انتصار الإمام، الأولى، الرياض، مطابع الفرزدق، صححه د.محمد بن سعد بن حسين، 1405هـ-1985م.
63. محمد قطب، مذاهب فكرية معاصرة، الخامسة، القاهرة، دار الشروق، 1991م - 1411هـ.
64. محمد محمد شراب، شعراء من المملكة العربية السعودية، مع مقدمة وفصول في النقد، الأولى، دمشق، دار المأمون ودار قتيبة، 1416هـ - 2..6م.
65. محمود عارف، ترانيم الليل، الأولى، جدة، نادي جدة الثقافي، 1404هـ - 1984م.
66. معيض البخيتان، ثرى الشوق، الأولى، الرياض، مطابع الشرق الأوسط، 1413هـ - 1993م.
67. منصور دماس، الأمل الهامس، الأولى، 1415هـ.
68. نواف أحمد حكمي، عندما تسافر العبرات، الأولى، الرياض، مطابع الحميضي، 1426هـ - 2005م.
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 2:12 مساءً