تـقــاريـر العدد 179 / في لقاء ضم أكثر من 70 مفكرًا وأديبًا يمثلون مختلف الأطياف الثقافية مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ناقش واق
العدد 179 / في لقاء ضم أكثر من 70 مفكرًا وأديبًا يمثلون مختلف الأطياف الثقافية مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ناقش واق
تحت عنوان « واقع الخطاب الثقافي السعودي وآفاقه المستقبلية» نظم مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني اللقاء السابع له خلال الفترة من 5 إلى 6 محرم 1431هـ الموافق 22 إلى 23 ديسمبر 2009م في محافظة الإحساء، ودُشن اللقاء بكلمة من معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين، رئيس اللقاء الوطني للحوار الفكري، ثم بدأت بعد ذلك جلسات اللقاء، وتناولت الجلسة الأولى المشهد الراهن للخطاب الثقافي السعودي ورصد اتجاهاته، والتي أدارها معالي الشيخ راشد الراجح، وتناولت الجلسة الثانية موضوع المؤسسات الثقافية وتأثيرها في الخطاب الثقافي، والتي أدارها معالي الدكتور عمر عبدالله نصيف.
كما تناولت الجلسة الثالثة قضايا الخطاب الثقافي السعودي «الخصوصية، المواطنة، الهوية»، والتي أدارها معالي الدكتور عبدالله بن صالح العبيد، وتناولت الجلسة الرابعة استشراف مستقبل الخطاب الثقافي السعودي، والتي أدارها معالي الأستاذ/ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر.
وشارك في اللقاء نحو «60» من العلماء والمفكرين والأدباء والمثقفين رجالًا ونساء، لتناول موضوع واقع الخطاب الثقافي وفقًا للمحاور التي أعدتها اللجنة التحضيرية التي تألفت خصيصا لهذا اللقاء. ورصد اللقاء تطلعات الإنسان السعودي في تطوير الخطاب الثقافي من خلال ما قدمه المشاركون من قراءة متأنية لواقع الخطاب الثقافي السعودي الذي تشكله الأبعاد التاريخية والتراثية للمملكة جنبا إلى جنب مع ما تتمثله المملكة من رؤى ثقافية معاصرة وما يمكن أن يمثله هذا الخطاب من شمولية ثقافية متجددة.
وقال رئيس اللقاء الوطني للحوار الفكري معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين، أن هذا اللقاء يأتي في وقت تشكل التحديات العالمية الفكرية المتسارعة أفقًا آخر يجب أن نقرؤه بعمق، وأن نتمعن في آلياته للوقوف على أنسب العناصر الثقافية التي تعزز من خطابنا الثقافي الوطني، وقدرته على التأثير سواء على المستوى الوطني أم على المستويات العربية والإقليمية والدولية، بما يمتلكه هذا الخطاب من ركائز وثوابت تنطلق من العقيدة الإسلامية، والقيم، والتقاليد الثقافية العريقة.
وأضاف الشيخ الحصين: إن توجه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني لمناقشة قضايا الخطاب الثقافي يشكل مرحلة جديدة من مراحل استشعار مختلف العناصر الثقافية البارزة في المملكة، والتعويل على هذا الخطاب الذي يتضمن أنماطا متعددة من الأدب والكتابة والفكر أن يحمل قيم المجتمع السعودي، وقيم الإسلام بما فيه من وسطية واعتدال وتسامح، واحترام لمختلف الآراء، ومن انفتاح على الثقافات والتجارب المعرفية، وأن يقدم للعالم الإسهام الثقافي والفكري الثري في المملكة، ومن هنا فإن مناقشة مثل هذه القضايا الثقافية تضعنا في التو في قلب الحياة المعرفية الراهنة لنحدد بوضوح تقاسيم الخطاب الثقافي السعودي، وما يمكن أن يحمله من آفاق واعدة تتساير والنهضة التي تعايشها بلادنا وترنو إلى تطويرها.
رئيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين أكد في افتتاح اللقاء الفكري على وجوب أن يتمثل المثقفون والمفكرون طريقة الاستدلال القرآني في الحكم على الأشياء والظواهر، وأن يتحلى الجميع بالمعلومات ومصادر المعرفة المختلفة للتوصل السديد لهذا الحكم. ونوه بأهمية أن يكون: «الخطاب الثقافي» مثار البحث والنقاش في هذا الوقت
وقد عبر الأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني معالي الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر في بداية اللقاء عن أمله في أن يجري اللقاء من خلال الطروحات الجديدة المتميزة التي يحملها المشاركون والمشاركات في هذا اللقاء.
وقد أوضح الأمين العام أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني راعى في اختيار المشاركين والمشاركات في هذا اللقاء تمثيل مختلف التوجهات والتيارات الأدبية والفكرية والثقافية، على اعتبار أن الخطاب الثقافي يحمل قدرًا من التنوع، وتضم عناصره المعرفية جملة من الخطابات الأخرى الأدبية والاجتماعية والدينية والعلمية والإعلامية، وأن التعرف على المكونات المثلى التي يمكن أن يستنير بها هذا الخطاب سوف تتأدى بلا شك من خلال مرئيات وتصورات وآراء المشاركين والمشاركات في هذا اللقاء المهم.
وذكر الأمين العام إلى أن هذا اللقاء يأتي بعد أن تطرق الحوار الوطني إلى عدد من القضايا الخدمية التي لا تخرج بعيدًا عن دائرة التأثير والتأثر الفكري، حيث نظم المركز لقاءات لمناقشة قضايا التعليم والعمل والخدمات الصحية، وكل هذه اللقاءات تتصل بشكل أو بآخر بالقضايا الفكرية، حيث إن العلاقة بين الفكر والنظرية من جهة، وقضايا الحياة والمجتمع هي علاقة متصلة ومتشابكة.
كما أوضح أن اللقاء يأتي تواصلاً مع اللقاءات الوطنية للحوار الفكري التي يعقدها المركز في كل عام، والتي يحرص المركز على تنويعها لمناقشة الجوانب والقضايا التي تمس الواقع، وتمس الحياة العامة، والقضايا التي يحرص المجتمع السعودي على مناقشتها وطرحها دائما للبحث والنقاش. وقال إن هذه الفعالية الثقافية الكبيرة ستكون اللقاء الأول لتشخيص واقع الخطاب الثقافي واستشراف مستقبله، وستتبعه لقاءات أخرى في عدد من محافظات ومدن المملكة، وذلك لتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في طرح القضايا الثقافية ومعالجتها.
وأوضح الأستاذ الدكتور فهد بن سلطان السلطان، نائب الأمين العام أن اللقاء يهدف إلى قراءة واقع الخطاب الثقافي السعودي، وتعميق المشتركات بين مختلف التوجهات الثقافية، عبر استثمار التنوع الثري في المجتمع السعودي وفي تعزيز الوحدة الوطنية عبر إنتاج خطاب وطني معتدل يعبر عن طبيعة المجتمع السعودي, وعن معطياته الفكرية المتجددة وفق قيم الإسلام المبنية على التعايش والتسامح والعطاء.
وأكد السلطان أن مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني قد سخّر جميع إمكانياته لتنظيم اللقاء وإظهاره بالشكل الذي يليق بمكانة المثقفين والمفكرين في المملكة، كما حرص على أن يشارك في اللقاء مختلف التيارات الثقافية والفكرية.
وناقش اللقاء الذي تضمن خمس جلسات، محاور تناولت جملة من الإشكاليات والعناصر الثقافية تتمثل في: المشهد الراهن للخطاب الثقافي السعودي وتوجهاته الحالية، من حيث مستوى فاعلية النخبة المثقفة، ولغة الخطاب الثقافي، ووسائل الخطاب الثقافي والتقارب والتشظي، والازدواجية، وجدلية العلاقة البينية، والتلقائية والتخطيط المستقبلي.
كما تناول المؤسسات الثقافية وتأثيرها في الخطاب الثقافي: (الدينية- والتعليمية والتربوية- الإعلامية)، وقضايا الخطاب الثقافي السعودي (الخصوصية المواطنة الهوية) من حيث قيمة كل منها، وتأثيرها على تطلعات المجتمع، وحراكه النهضوي،وتأصيل مسيرته الإسلامية، وتواصله مع العالم، وتجسير العلاقات بين مكوناته، وتأسيس مجتمعه المدني، واستشراف مستقبل الخطاب الثقافي السعودي، من حيث تراجع هذا الخطاب نتيجة الصراع الداخلي فيه، وضعف روح المبادرة، وانفصاله عن هموم الجمهور، واغترابه، أو تقدمه والسير بالمجتمع نحو النهوض نتيجة التقارب، والانفتاح الإيجابي على العالم، واعتماد هوية الأمة.
هذا اللقاء الفكري الذي يركز فيه المركز على قراءة العناصر الثقافية الشاملة المكونة للخطاب الثقافي السعودي يندرج ضمن المساحة الفكرية الحوارية التي يخصصها المركز لقراءة مختلف الأنماط الثقافية وقضاياها المتعددة، حيث استهل ذلك بلقائه الوطني الخامس الذي ناقش في العام 1426هـ موضوع: «نحن والآخر» الذي طرح فيه المركز رؤية وطنية مشتركة للتعامل مع الثقافات العالمية، ثم عقد المركز لقاء حول: الحوار والإعلام، ثم لقاء آخر حول: الصالونات الثقافية.
وفي الجلسة الأولى التي أدارها نائب رئيس اللجنة الرئاسية بالمركز معالي الدكتور راشد الراجح والتي تناولت موضوع: «المشهد الراهن للخطاب الثقافي السعودي وتوجهاته الحالية» تحدث أكثر من خمسين مشاركًا ومشاركة حول هذا الموضوع، استهلها الدكتور معجب الزهراني بالحديث عن وجود تيار فكري مهيمن منذ عقود، ورأى أن الخطاب الثقافي متنوع ومتعدد، ويجب أن يظل هكذا لكي يثري أذهاننا وأذواقنا ويرسم المصير المشترك الذي نسميه الوطن، وحذر الزهراني من خطورة أحادية الرأي والهيمنة من طرف على آخر، في مجال الثقافة والفكر.
وتحدثت نورة العدوان عن لغة الخطاب الثقافي السائدة التي تتسم بـ«التعديات على الأشخاص» ورأت أن هذا الخطاب يتعارض مع السياسة الإعلامية للمملكة، وطالبت بتأسيس جمعيات مدنية تراقب ما يصدر في الصحافة من «تعديات»، فيما رأى د.مسعد العطوي أن «مشهدنا الوطني يتنوع بين الخطاب الاجتماعي، والفكري، والديني» وتساءل: عن دور الفرد في نسيج هذه الثقافة، وقال: نحن أحوج ما نكون إلى أكاديمية عليا يستقي منها الإعلامي والعالم والواعظ، ويبني السياسي قراراته.
وتساءلت هدى الدليجان عن أسباب الغياب الكامل للخريطة الثقافية، وعن غياب قضايا ملحة وحاسمة مثل: حقوق المرأة، الأنظمة، المخرجات الثقافية، مؤسسات المجتمع المدني، ورأت أن وسائل الإعلام تغيّب كل هذا. وقال محمد أبو ساق: إن من المؤسف أن المشهد الراهن أوصلنا لخطاب ثقافي مسلح، ومفخخ، فهل ننتقل إلى حالة أكثر تسامحًا لهذا الوطن؟
وقد تتابعت المداخلات حول الهوية، والانتماء، وتحديد مفهوم الخطاب الثقافي، وكان من أبرز المداخلات تلك التي طرحها: عبدالله الغذامي، وحمزة المزيني، وعلي الموسى، وعبدالرحمن الحبيب، وحليمة مظفر، حيث دارت مداخلتهم حول: تعدد الخطاب الثقافي وتنوعه، وإيقاف هيمنة الخطاب الأحادي المهيمن، وركزت تلك المداخلات على أن الخطاب الثقافي لا يلبي متطلباتنا، وأن الإسلام والوطن هو الجامع لمختلف الخطابات، وأن الخطاب الثقافي يعاني من: «المساجلة والارتجالية» على حد تعبير د.عبدالرحمن الحبيب، فيما أشار الغذامي إلى منع ندوات ومحاضرات خلال العامين الماضيين، وحضور «صيغة المنع» في حياتنا الثقافية.
في المقابل تحدث عوض القرني، ونوال العيد، وعبدالعزيز القاسم، ووليد الرشودي عن أن بلاد الحرمين ترتكز على الإسلام، وعلى الشريعة الإسلامية، وأن كل المجالات تجد من يحميها، مثل الآثار والمتاحف والأدب، وحماية الدين والشرع تكون عن طريق العلماء والفقهاء.
ورأى عبدالعزيز القاسم أن هناك انقلابات بيضاء على الفقه السائد من جانب العلماء أنفسهم، وتجلى ذلك في موضوع(الاختلاط).
وأكد المشاركون على ضرورة الالتئام حول المبادئ والثوابت الدينية والوطنية، والانفتاح على الخطاب الثقافي العربي والعالمي والاستفادة من ذلك في تطوير الخطاب الثقافي السعودي.
وتناولت الجلسة الثانية، «المؤسسات الثقافية وتأثيرها في الخطاب الثقافي»، والتي أدارها نائب رئيس اللجنة الرئاسية بالمركز معالي الدكتور عبدالله بن عمر نصيف.
وأكد المشاركون على أن المؤسسات الثقافية والإعلامية ستظل المؤثر الأساسي في صناعة ثقافة المجتمع وتطويرها، وأن ضعفها سيؤدي إلى انصراف المتلقي إلى مؤسسات إعلامية وثقافية أكثر جاذبية.
ودعا الدكتور محمد بن فيصل أبو ساق إلى تطوير المؤسسات الثقافية لتشمل جميع الأطياف والتوجهات الثقافية، لتكون المؤثر الأكبر في صناعة وعي وثقافة أبناء مجتمعنا.
من جهتها قالت ليلى الأحيدب في مداخلتها أن النظرة العامة لوضع المؤسسات الثقافية تكشف عن تناقض ما بين المؤسسة التعليمية وما تطرحه المؤسسة الإعلامية، وأنه لابد من إيجاد تقارب بين خطاب المؤسستين، فيما تناولت الدكتورة ثريا الشهري وضع الصفحات الثقافية في المؤسسات الصحفية، والتي ترى أن بعضها قد أفرغ من محتواه الثقافي.
ودعا الدكتور عوض القرني إلى إعادة النظر في القوانين والأنظمة التي تتعلق في الشأن الثقافي، حيث إنه مر على إصدارها عشرات السنين ولم تعد تواكب الوضع الراهن للوضع الثقافي في العالم، قائلًا أن ما يطرح في بعض المنتديات على الإنترنت أصبح أكثر أهمية مما يطرح في بعض الأندية الأدبية.
من جانبه أوضح الدكتور عبدالله الغذامي في مداخلته أن ثقافة العصر تؤكد أن الوسيلة الإعلامية أو الثقافية الأكثر تنافسية هي الأكثر نجاحًا، وهو ما يعني ضرورة تطوير المؤسسات الإعلامية والثقافية لتصبح أكثر تنافسية وأكثر جذبًا للمتلقي.
وكانت الجلسة الثالثة قد دارت حول موضوع: «قضايا الخطاب الثقافي السعودي» حيث تناول المشاركون والمشاركات القضايا التي ينشغل بها الخطاب السعودي في مساجلاته البينية مثل: الخصوصية، والمواطنة، والهوية، من حيث قيمة كل منها، وتأثيرها على تطلعات المجتمع، وحراكه النهضوي، وتأصيل مسيرته الإسلامية، وتواصله مع العالم وتجسير العلاقات بين مكوناته، وتأسيس مجتمعه المدني.
وقد تفاعلت المداخلات مع هذا الموضوع الحيوي، حيث طرحت آراء حول الخصوصية، والمواطنة والهوية، من جانب المشاركين والمشاركات، حيث رأى حمد القاضي أن لكل خطاب ثقافي خصوصيته، وأن الخصوصية قد تكون ميزة وقد تكون مثلبا، وعلينا أن نكون أكثر اختلافا لا خلافا.
فيما طالب د.عبدالله فدعق بالتعامل مع مفردة «المواطنة» أكثر من الاستناد على مقولة:«الخصوصية»، وأكد د.حمود أبو طالب على أن الخطاب الثقافي السعودي مرتبط بالخصوصية، لكن كيف نتعايش مع العالم؟
ودعا د.سعيد السريحي إلى إعادة النظر في مسألة الخصوصية، فنحن «أكثر شعوب الأرض حديثًا عن الخصوصية، وأن هذه الخصوصية أصبحت ستارًا حديديًا يحول بيننا وبين العالم.
وقد تبارى المشاركون والمشاركات في وصف الهوية والخصوصية والمواطنة، تبعا لتأويلات وتفسيرات متعددة ومختلفة بين الثقافي والاجتماعي والديني، لكنهم اتفقوا على استبعاد ثقافة الإلغاء والإقصاء، وإعلاء شأن المواطنة، والاهتمام بتطوير الخطاب الثقافي السعودي حتى يصل للآخر بشكل حقيقي.
وقسم مشاركون في الجلسة المجتمع إلى «محافظ غير مجدد، ومجدد غير محافظ»، في إشارة إلى الانغلاق الفكري للتيارين المختلفين المهيمنين على الخريطة الثقافية السعودية، مع الدعوة إلى «ميثاق شرف من أجل المحافظة على الوطن الذي يمر بأزمة تدمير يمارسها البعض ضد البعض الآخر، وضرورة الإفادة من نماذج الخصوصية المثالية لدول متقدمة مثل أميركا واليابان».
وانصبت مداخلات عديدة حول أن «الوطنية هي قبول أبناء الوطن على مختلف اتجاهاتهم وأعراقهم ومذاهبهم، وهي تشجيع لكل يد تمتد للبناء، وهي الحب لكل آفاق هذا الوطن».
فيما أشارت مداخلات إلى أن التناحر الثقافي حول الهوية «انتقل بالمجتمع إلى التخلف، وضيق الأفق والتعصب والعنصرية». وطرحت فكرة أن «الخطاب الديني يعزز الإيمان، وهو كل لا يتجزأ، ولا مصلحة في إضعاف تأثير هذا الخطاب وتهميشه».
وأشار مداخلون إلى أن النخبة الثقافية «عاجزة عن صوغ خطابات مقنعة حول الهوية الاجتماعية». وطالبوا بأن «تكون الهوية التي ننشدها منطلقة من الكتاب والسنة فقط». فيما أكد آخرون على أن المبالغة في إسقاط الخصوصية على الخطاب الثقافي، يُعيق وصول هذا الخطاب إلى الآخرين».
وطالبت إحدى المداخلات بأهمية «إيجاد تعريف متفق عليه لكل من الخصوصية والهوية والمواطنة، كي لا يحدث لغط في هذه المصطلحات المهمة».
وأشار أحد المشاركين إلى أن الإقليمية والقبلية «أحدثت خللًا كبيرًا في المواطنة، فالمحروم من حقوقه لا يشعر بالوطنية»، مضيفًا أن «إطلاق الاتهامات بأن الوطن أصبح مرتعًا للفساد والإرهاب، يتناقض مع موضوعية الطرح للنخب المثقفة».
وتكرر مصطلح «التعددية» كثيرًا خلال المداخلات، لتصبح محل جزر ومد. وأكدت إحدى المشاركات على أن «المجتمع السعودي متعدد، ولن نبني هوية مشتركة إلا على حقيقة التعددية في المجتمع».
وتناولت الجلسة الرابعة والختامية للقاء احتمالات مستقبل الخطاب تراجعًا أو تقدمًا، وتحديد الخيار المفضل من جانب المشاركين والمشاركات، وتوصيف شروط تحقيق هذا الخيار انطلاقًا من هوية وطنية أصيلة، وسيادة لروح العقلانية واستثمارًا للتقدم المعرفي والتجارب الناجحة عالميًا.
وقد ركزت مداخلات الحضور حول العناية باللغة، والتراث، وتقديم برامج تعليمية وثقافية متميزة للشباب، والحفاظ على المكتسبات، وعلى الهوية الخصوصية للوطن، كما ركزت على ضرورة وضع خطط تعليمية إستراتيجية على اعتبار أن المؤسسة التعليمية هي أبرز المؤسسات المنوطة بتعليم وتربية الأجيال القادمة، بالاشتراك مع الأسرة والمؤسسة الثقافية والتعليمية.
وأكد د.عبدالله الغذامي أن استشراف المستقبل يتم عبر الخطط الإستراتيجية أو ملاحظة الواقع الثقافي، وأشار هنا إلى كثرة عدد المثقفات المشاركات بالمقارنة بالمثقفين المشاركين وهذا يدل على أن المرأة أثبتت حضورها. ورأى الغذامي أن المثقف القوي موجود لكنه لن يؤثر، فالمؤثر - حقيقة - هم كتاب الصحف المتميزين أصحاب الرأي الحر.
ودعت د.أشجان هندي إلى ضرورة أن يتوقف الاحتقان بين التيارات الفكرية والثقافية كي نظل في حالة حوار دائم مستمر، وأن حرية الحوار تتطلب نوعا من النظام الذي يقوم به مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في إدارة الجلسات، والأهم أن يستمر الحوار.
وأشارت د.أميمة الجلاهمة إلى أن المؤسسات التعليمية يقع عليها الجانب الأكبر في وضع إستراتيجية للمستقبل، ووضع برامج تتعامل بجدية مع العلوم الإنسانية كاللغة والدين والتاريخ والجغرافيا، وتطوير صياغة هذه العلوم حتى تكون عنصر جذب لا عنصر تنفير.
أما الكاتب عبدالله محمد الناصر فقد تساءل عن المستوى الذي وصل إليه الإنتاج الإبداعي السعودي شعرًا ورواية ونقدًا وفلسفة؟ ودعا إلى ضرورة تمثل تراث الجزيرة العربية في الخطاب الثقافي وعبر عن ذلك بالقول: «تحت كل شبر في هذه الأرض حديث ثقافي وقصة ثقافية» فجزيرة العرب هي منبت ثقافة امرؤ القيس، وعنترة، والصمة القشيري، وأكثم بن صيفي، والسعودية ينظر إليها القارئ العربي من هذه الزاوية. كما دعا الناصر إلى العناية باللغة العربية، وبالأدب الفصيح، فاللغة العربية مستلبة، من جانب الأدب الشعبي، ومن جانب لافتات المحلات في الشوارع المكتوبة بالإنجليزية، ومن جانب الفنادق التي في بلادنا والتي يتحدث فيها العاملون بالإنجليزية.
وطالب د.محمد الحضيف بعدم فرض «الأجندات الشخصية» على النسق الثقافي العام، ورأى أنه لابد أن يتوجه الخطاب الثقافي لإبراز المكانة التي وصلت إليها المرأة، كما دعا إلى أنسنة اللغة، والتركيز على القضايا الجوهرية مثل: الميراث الثقافي، والعمل، والتعليم.
كما رأى د.عبدالله فدعق عدم وصف بعض أطياف المجتمع السعودي بـ«الأقلية» فنحن مجتمع واحد.
وأكد د.عصام السناني أن نجاح الثقافة في مجتمع ما يتمثل في تناغم مؤسسات المجتمع، أما الصراع بين المؤسسات فسيكون ضحيته الجيل القادم. ورأى أن هامش الحرية ليس مبررًا لقذف المؤسسات الدينية على سبيل العموم، بل على الكاتب أن يقول الحقيقة ناقدا لا أن يقوم بجلد الذات، ومحاولة فرض ثقافة لا يقبلها مجتمع أمر غير ممكن. ودعت هدى الدغفق إلى تركيز وتفعيل الخطاب الثقافي الموجه للشباب.
وساد التشاؤم في مناقشة المحور الرابع، الذي خصص للتحاور حول «استشراف مستقبل الخطاب الثقافي»، مع وجود بعض المتفائلين بهذا المستقبل.
وقالت د.نورة خالد السعد: «منذ حضوري الأول في مؤتمر الحوار الوطني العام 1424هـ، لا أزال أرى وجوه المشاركين نفسها، مع تكرار الاتهامات نفسها، وخلال الست السنوات الماضية لا تزال المؤسسات الثقافية منابر للمروجين لمصطلحات الثورة الفرنسية، يكررون الاتهامات نفسها للفكر الإسلامي، ويطبقونها على هذا المجتمع»، مضيفة «يجب أن نتساءل ما هي الخطوة المقبلة؟، فحواراتنا خلال هذين اليومين لا تستند إلى دراسات ميدانية دقيقة، نستحق بعدها أن نضع توصيات».
وأكد حمد القاضي، أن «منجزنا الثقافي يتوافق مع حضورنا السياسي وينقصه التسويق، بسبب نظرة مثقفين للثقافة على أنها «هواية»، وبعض المخرجات الثقافية لا تمثل الواقع السعودي، مع غياب لإدارة النشر الرسمية، التي تسوق للخطاب الثقافي السعودي وتترجمه وتوصله لآفاق عالمية». وطالب المثقفون والمثقفات بأن تكون «الوطنية قبولا لكل أبناء الوطن على مختلف اتجاهاتهم وأعراقهم ومذاهبهم، وتشجيعًا لكل يد تمتد للبناء، وهي الحب لكل آفاق هذا الوطن». وأكدوا أن التناحر الثقافي حول الهوية انتقل بالمجتمع إلى التخلف، وأن الخطاب الديني يعزز الإيمان، وهو كل لا يتجزأ، ولا مصلحة في إضعاف تأثير هذا الخطاب وتهميشه».
وأكد معالي الأستاذ/ فيصل بن عبدالرحمن المعمر، الأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني،في ختام الجلسة أن اللجنة الرئاسية للمركز وجهت باستمرار المركز في تنظيم لقاءات وطنية أخرى تتناول الخطاب الثقافي السعودي وآفاقه المستقبلية.
التقرير الختامي للقاء
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
فالتزامًا من مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بدوره، ووظيفته الأساسية، بادر بعقد اللقاء الوطني للحوار الفكري بعنوان: واقع الخطاب الثقافي السعودي وآفاقه المستقبلية، في محافظة الإحساء بالمنطقة الشرقية خلال يومي: الثلاثاء والأربعاء 5-6/1/1431هـ الموافق 22-23/12/2009م، فقد جمع اللقاء عشرات العلماء والمفكرين والمثقفين السعوديين من الجنسين.
وناقش المجتمعون الموضوع في إطار المحاور الآتية:
المحور الأول: المشهد الراهن للخطاب الثقافي السعودي.
المحور الثاني: المؤسسات الثقافية وتأثيرها في الخطاب الثقافي.
المحور الثالث: قضايا الخطاب الثقافي السعودي.
المحور الرابع: استشراف مستقبل الخطاب الثقافي السعودي.
وذلك خلال أربع جلسات أثرت الموضوع من جميع جوانبه وأظهرت المداولات والمشاركات اتفاقًا كبيرًا على أن الخطاب الثقافي هو المؤثر الفكري في المجتمع، وموجه حركته، والمتحدث باسم الحراك الاجتماعي والتحولات والتغيرات التي يمر بها المجتمع، ومن خلاله تعبّر تياراته وفئاته وجميع مكوناته عن أطروحاتها ضمن سياق مشروعاتها الفكرية كما يعبر عن طبيعة علاقة هذه التوجهات الفكرية بعضها ببعض.
ونظرًا لأهمية قراءة هذا الخطاب واستشراف مستقبله الذي يعوّل عليه في تعميق المشتركات عبر استثمار هذا التنوع الثري في المجتمع السعودي عبر خطاب وطني معتدل يعبّر عن حقيقة الإسلام وسماحته ويسهم في تعزيز الوحدة الوطنية ويعبّر عن طبيعة المجتمع السعودي، فقد أكد المشاركون أهمية وحيوية الموضوع خصوصًا في الفترة التي يعيشها المجتمع السعودي في الوقت الحاضر، وأوصوا بتبني المركز مشروعًا وطنيًا لتدارس الخطاب الثقافي السعودي عبر الآليات الآتية:
1-أن يقوم مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني بعقد عدد من لقاءات الحوار في موضوع «الخطاب الثقافي السعودي» في سلسلة لقاءات يكون هذا اللقاء فاتحتها بحيث تتناول اللقاءات القادمة القضايا المهمة لهذا الخطاب مثل:
- قضية التجديد في الخطاب الثقافي السعودي.
- الخطاب الثقافي السعودي والعولمة.
- الخطاب الثقافي السعودي والهوية الوطنية.
- الخطاب الثقافي السعودي وبناء مشروع وطني.
- الخطاب الثقافي السعودي والعلاقة بالحضارات والثقافات الأخرى.
- الخطاب الثقافي السعودي والعلاقة بالمذاهب الإسلامية.
2-أن يتعاون المركز مع المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية الحكومية والأهلية لتكون محاضن فاعلة لتنمية الخطاب الثقافي السعودي ودعمه ماديًا ومعنويًا وتدارس الشأن الثقافي لتحقيق مشروع ثقافي وطني تكاملي تكون تلك المؤسسات فيه معبرة عن توجه وطني مشترك.
3- أن يقوم المركز في سبيل تحقيق هذا الهدف بعقد ورش وجلسات عمل يلتقي من خلالها مثقفو المملكة بمختلف تخصصاتهم وأطيافهم الفكرية والمذهبية ومناطقهم لتكون أسسًا عامة وشرعية ووطنية للخطاب الثقافي تتجاوز الالتباسات التي تعوق مسيرته.
4- يتطلع المشاركون والمشاركات إلى أن يكون مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ضمانًا لحوار متكافئ ومرجعية لكافة التيارات والأطياف كي تعبر عن ذاتها.
5-الثقافة في المجتمع السعودي بتنوعها وتراكمها عامل ثراء وينبغي أن يسهم مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ومختلف المؤسسات المعنية في جعل هذا التنوع مصدر قوة وارتقاء للمجتمع.
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 2:01 مساءً