خريطة الموقع
الخميس 9 سبتمبر 2010م

العدد 185/ سماحة المفتي في حوار مع المعرفة: دور المناهج التعليمية في غرس مفهوم الرحمة في نفوس الناشئين والطلاب في غاية ال  «^»  العدد 185/ رحمة.. حين كان لي من اسمي نصيب   «^»  العدد 185/ الرحمة في المجتمعات الغربية المعاصرة   «^»  العدد 185/ الرحمة.. ياسمين   «^»  العدد 185/ التربية على الرحمة... المستدامة  «^»  العدد 185/ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»   «^»  العدد 185/ من مفاهيم الرحمة في القرآن الكريم : رحمة الهداية .. رحمة العلم.. رحمة التمكين..   «^»  العدد 185/ لغة حانية. . الرحمن الرحيم   «^»  العدد 185/ تبارك ربنا الملك الحق.. الرحمن الرحيم  «^»  العدد 185/ رمضان . . شهر القرآن: )ورحمتي وسعت كل شيء( جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
ملف العدد
العدد 179 / الوطن: رؤية الفكر.. نمذجة الفن 1-2

العدد 179 / الوطن: رؤية الفكر.. نمذجة الفن 1-2
العدد 179 / الوطن: رؤية الفكر.. نمذجة الفن  1-2
بقلم : عبدالله حامد


«الوطن»(1) هذه اللفظة ذات البعد المدني الخالص اليوم، أصبح لها دلالاتها التي انبثقت من التشكلات الجغرافية الناتجة عن مجموعة من التطورات السياسية والاجتماعية والثقافية المتنوعة، والتي قبلها الإنسان عبر امتزاجه في هذه الحدود الجغرافية، وتعاطيه مع مجتمعه، ضمن الحقوق والواجبات المتفق عليها، بحكم عقد المواطنة الضمني الذي يحقق الإفادة والاستفادة، ويصنع من المجتمع وحدة واحدة لها حقوقها المكانية والاعتبارية ضمن دائرة أممية واسعة تنظم ارتباطها وعلاقاتها مصالح واتفاقيات ومعاهدات وتشرف على ذلك المنظمات والهيئات الدولية المختلفة.

يأتي «الوطن»(2) في اصطلاحه العربي مفهومًا حديثًا جدًا، ظهر مع بدايات الحركات التحررية في الوطن العربي، التي أسهمت بجهد يستحق الإكبار والإجلال في جلاء المستعمر، وبناء الأوطان بناء يقوم على الحرية، ويحمل المستعمر في كثير من الدراسات التاريخية والفكرية وزر هذا التقسيم الجغرافي، للوطن العربي الذي كان جسدًا واحدًا، ثم آب إلى هذا التقسيم والتشتت؛ ولذا كانت وما زالت فكرة الوطن ترتبط عند بعض المفكرين بأنها ناشئة دخيلة على الأمة المسلمة تفتت وحدتها، وتضيع جهودها، ويأتي هذا الخطاب أحيانًا ليحيل إلى أن هذا التقسيم الوطني للأمة قد أسهم في خلخلة قوة الأمة ووحدتها، وأضاع فرص النصر، واسترداد الحقوق المضاعة.

بل إن الأمر ليصل إلى أن يكون الوطن آلهة جديدة، يقول سيد قطب: «إن الناس يقيمون لهم اليوم آلهة يسمونها «القوم» ويسمونها «الوطن»، ويسمونها «الشعب»..إلى آخر ما يسمون. وهي لا تعدو أن تكون أصنامًا غير مجسدة كالأصنام الساذجة التي كان يقيمها الوثنيون. ولا تعدو أن تكون آلهة تشارك الله -سبحانه- في خلقه، وينذر لها الأبناء كما ينذرون للآلهة القديمة! ويضحون لها كالذبائح التي كانت تقدم في المعابد على نطاق واسع»(3) ولذا لم يك غريبًا أن يصرح الشيخ عادل الكلباني مجيبًا عن غياب الوطن عن أدبيات الإسلاميين بقوله: «لأنهم يسمونه الوثن...بعضهم يسمي الوطن الوثن».(4)

يواصل هذا الخطاب تقديم أطروحاته عبر استخدام وسائل الإعلام المختلفة ويركز في كثير من الأحيان على الإشارة إلى أن الحقوق المسلوبة والأراضي المغتصبة لا يمكن أن تعود، إلا بعودة الأمة الإسلامية الواحدة، وقيام الخلافة الراشدة واتحاد المسلمين مع إمام واحد، وهو طرح يقوم أحيانًا بالطرق السلمية العلمية الحوارية، ويتخذ أحيانًا أسلوبًا آخر من المواجهة العنيفة التي ترى أن التغيير لا يتم إلا بالسلاح، وأن إقامة الدولة أو الخلافة، لن يتم إلا بإعلان الجهاد، وهو جهاد يسحق في سبيل تحقيق آماله أية دعوة للحوار، أو المراجعة، أو التفكير، وبالتالي تصبح المواجهة مع الآخرين، مسلمين أو معاهدين مشروعة حتى تتحقق إقامة الخلافة الإسلامية، حسب تصوراتهم.

تتم كل هذه الدعوات التي تتسم بتنوع وسائلها والشعوب المسلمة تواصل إيمانها بالانتماء الوطني لبلدانها، واندماجها مع قضايا المسلمين العادلة في كل مكان دعمًا ودعاء ورغبة صادقة في تقديم كل شيء لاستعادة الحقوق الضائعة! ومن هنا يأتي مأزق الخطاب الداعي إلى الاستخلاف، في الوقت الذي يأتي فيه حضوره وإيجابيته، فهو خطاب يفقد معناه، ويتناقض مع الواقع، حيث يبدو التفاعل الجمعي الشعبي مع قضايا الأمة، وهو في ذات الوقت يحاول الاستفادة، وتوظيف العجز السياسي أحيانًا في سبيل تكريس خطابه، عبر التأكيد على مشاعر الألم التي يشعر بها المسلمون مع تخاذل الفعل السياسي، والقبول الضمني لمشروعات «الرأي الواحد» الذي تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية مع قضايا المسلمين عمومًا، والعرب خصوصًا، وتصبح الإشارة إلى تأخر الفعل السياسي معزوفة يلذ لهذا الخطاب تكرارها مع كل مناسبة، وهو في ذلك يتناسى الأبعاد الأخرى التي تتحكم في صناعة ردات الفعل السياسي، وهي ردات فعل تأخذ في حسبانها ضمنًا المصالح الوطنية والاقتصادية، وتضع في حسبانها موازين القوى، وتستحضر التاريخ، وتعي جيدًا أن للمواجهة والمقاطعة حدودها التي لا يمكن تجاوزها، وبخاصة في ظل الظروف الحضارية البائسة التي تعيشها الأمة.

يواصل هذا الخطاب رؤيته وهو ينظر إلى أن الطريق الوحيد هو الخلافة الإسلامية وهو في أثناء ذلك يغض طرفه جاهلًا أو عامدًا عن رؤى مجموعة من العلماء المسلمين الذين يرون أن المواجهة الآنية غير ممكنة، إذ يعون أن الأمة غير قادرة على إحراز نتائج إيجابية؛ ولذا يرون أن طرق السلم والهدنة أمور مشروعة الآن، كما أن هذا الخطاب يتجاهل أن دعم القضايا العادلة للأمة ممكن عبر إيجاد الاتحاد الإسلامي والعربي، الذي يمكن معه أن تمثل البلدان العربية والإسلامية اتحادات مترابطة كما هو شأنها الآن، وعلى غرار ما يفعله الآخرون، دون المساس بالوحدة الوطنية، حيث تصبح دائرة الذات الإسلامية «دائرة شاملة لمجموعة من الدوائر الوطنية التي وإن اختلفت جغرافيتها - فإن حتمية وحدتها مع قضاياها يمكن أن يتحقق، بل إن تشكلات على هذا النحو اقتصاديًا يمكن أن يؤثر تأثيرًا إيجابيًا في سبيل التكامل، وتشكيل ضغط اقتصادي يمكن معه أن يولد مواقف سياسية جديدة، ويفرضها مثل هذا الاتحاد الاقتصادي وهو ما يجب أن تركز عليه الأطروحات الفكرية، وتتبناه السياسة، وهو أمر يحتاج إلى تظافر الفكري مع السياسي لصناعة واقع جديد.

ومن هنا فإن الوطنية ستخرج من عنق الزجاجة الذي حاول بعض المفكرين إدخالها إليه، عبر استقرائهم لبعض النماذج الوطنية والقومية التي تكتلت حول ذاتها وأغلقت الباب أمام كل محاولة للتواصل مع قضايا الأمة المسلمة، كما فعل جمال الدين الأفغاني في بعض مقالاته(5)، أو تلك الوطنية التي بذرها الاستعمار لتحويل حركات الجهاد كما بين ذلك محمد قطب(6).

لقد كانت الوطنية في المملكة العربية السعودية وطنية تعتز بالانتماء لهذه البلاد التي وحدها الملك عبدالعزيز في مجتمع واحد يقوم على الدعوة إلى الله، والاعتزاز بدينه، ولذا كان تاريخ المملكة منذ قيامها، وإقرار نظامها، وتشكيل سياستها الداخلية والخارجية ينطلق من هذا المنطلق، بل إن نظرة واعية منصفة لدلالات علمها الوطني يكشف بوضوح أن أية محاولة لإيجاد فجوة بين انتماء الدولة لدينها ووطنيتها ستبوء بالفشل..

وإذا كان الملك عبدالعزيز يقول في أحد خطاباته بكل وضوح: «عندي أمران لا أتهاون في شيء منهما ولا أتوانى في القضاء على من يحاول النيل منهما ولو بشعرة، الأول: كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، إني والله وبالله وتالله أقدم دمي ودم أولادي وكل آل سعود فداء لهذه الكلمة لا أضن به.. والثاني هذا الملك الذي جمع الله به شمل العرب بعد التفرقة، وأعزهم بعد الذلة، وكثرهم بعد قلة، فإني كذلك لا أدخر قطرة من دمي في سبيل الذود عن حياضه»(7).

ولم يكن خطاب الملك المؤسس هذا إلا أنموذجًا لكثير من خطاباته التي رسم بها سياسة وطنه، وقد جسد الملك وأبناؤه من بعده هذه القيمة الوطنية والإسلامية عبر سياسة داخلية سجلت للوطن والمواطنين نهضة حضارية كبرى إذا ما قيست بعمر الدول والقارات في البناء والتطور، كما كانت سياسة المملكة ولا زالت واضحة في تعاطيها مع قضايا الأمة، والأدلة كثيرة لو شئنا الإحصاء والتدليل..

ولا شك إن تناغم الوطني والإسلامي في السياسة السعودية هو ذاته التناغم الذي يرد في تراثنا الإسلامي العربي، الذي جسد هذه العلاقة الفطرية بين الإنسان ووطنه، ولعل من أوضح ذلك قوله تعالى: }ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا{ النساء: ٦٦ يقول الطبري: «ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المحتكمين إلى الطاغوت أن يقتلوا أنفسهم، وأمرناهم بذلك، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين إلى دار أخرى سواها ما فعلوه(8)» وينقل الزمخشري المعنى ذاته مذكرًا بأنه كان لبني إسرائيل، ثم يقول بعد ذلك «وهذا توبيخ عظيم»(9) ويقول القاسمي: «والمعنى إنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان، لصعب ذلك عليهم.. بل اكتفينا بتكليفهم بالأمور السهلة»(10).

ويرى الجاحظ في هذه الآية ملمحًا مهمًا، حين يقول ممهدًا لهذه الآية «ومما يؤكد ما قلنا في حب الأوطان، قول الله عز وجل حين ذكر الديار يخبر عن مواقعها من قلوب عباد فقال ولو أنا كتبنا....إلخ(11)». وقتل النفس كما يقول سيد قطب «والخروج من الديار مثلان للتكاليف الشاقة»(12).

كما أن الله سبحانه وتعالى قد قرن بين عقوبة القتل والنفي عن الأوطان كما في قوله تعالى: }إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنياولهم في الآخرة عذاب عظيم{ المائدة: ٣٣.

يعقب على ذلك محمد متولي الشعراوي في تفسيره بقوله: «والنفي معناه الطرد والإبعاد، والطرد لا يأتي إلا لثابت مستقر، والإبعاد لا يأتي إلا لمتمكن، إذن فقبل أن ينفى لا بد أن يكون له ثبوت وتمكن في موضع ما وهو ما نسميه (13).

لقد كانت فطرة الحنين إلى الوطن فطرة فطر الله عليها الإنسان، ولذلك نجدها متجلية واضحة عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويورد محمد هاشم المشهداني بعضًا من أدلة هذا الحب الذي غرسه الله في قلوب أنبيائه لمكة شرفها الله، وبيته العتيق، وإلى موطن آبائهم وأجدادهم، حيث طلب موسى عليه السلام أن يدفن إلى جوار أبيه، وكذلك يعقوب عليه السلام، كما يورد أحاديث عن حنين الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة والمدينة إلى جانب أخبار الصحابة والعلماء والشعراء وغيرهم(14)، وهي مباحث تؤكد فطرة هذا الحب، ونزوع الإنسان إليه، وبخاصة حينما يبتعد عنه، وقد ذكر الجاحظ قبلًا أخبارًا كثيرة في ذلك في بابه الذي عقده في كتاب المحاسن والأضداد بعنوان «محاسن حب الوطن(15)» كما أعاد إبراهيم البيهقي، في كتابه «المحاسن والمساوي» أخبار الجاحظ التي أوردها في حب الوطن، وذم كرهه(16) على اختلاف يسير بينهما.

كما تحدثت بعض الدراسات الفكرية عن هذ الموضوع على نحو ما سبق، إضافة إلى ما كتبه عبدالرحمن الزنيدي في مبحثه المهم بعنوان «إمكانية تطبيق المواطنة لدى المسلمين(17)» إلى جانب الأوراق العلمية التي قدمت حول مفهوم الوطنية، في الفكر الإسلامي والمعاصر لنخبة من الأساتذة والباحثين(18).

وقد كتب بعض الباحثين المعاصرين حول علاقة الشعر بالوطنية حيث كتب أميل ناصف كتابًا أسماه «أروع ما قيل في الوطنيات» وهو عبارة عن اختيارات شعرية لم يكن من بينها للأسف أية نصوص للشعراء السعوديين، وهو الأمر ذاته الذي نجده عند يحيى شامي الذي ألف كتابًا عنوانه «أروع ما قيل في الوطنية» حيث طوف المؤلفات بشعراء مصر والشام والعراق والسودان ولكنهما لم يحاولا أن يطلعا على نتاج شعرائنا السعوديين في هذا اللون الشعري الحديث، كما اطلعوا على نتاج الشعراء الآخرين(19).

ومن الدراسات النقدية في هذا الجانب رسالة ماجستير تقدم بها عطاالله مسفر الجعيد لجامعة أم القرى بعنوان: «الوطن في الشعر السعودي المعاصر» وقد اقتصر الباحث على قلة من الشعراء السعوديين، مما عكس صورة غير صحيحة عن الوطنية في الشعر السعودي، حيث اكتفى بنماذج قليلة بمحمد عواد وطاهر زمخشري وعبدالله الفيصل وحسين سرحان وحمزة شحاته وحسين عرب وسعد الحميدين وعلي الفيفي وعبدالله باشرحيل ومحمد فقيه، وقد أهمل البحث شعراء ما كان له أن يغفلهم، ومع ثقتي باستحالة رصد نتاج الشعراء السعوديين جميعًا إلا أني أحسب أن الباحث كان بحاجة إلى أن يتلمس نتاجًا شعريًا مهمًا لم تنله عنايته..!(20)

وممن كتب في هذا الموضوع محمد العلي تحت عنوان: «مفهوم الوطن» وقد أيد رأي د.عبدالله العلائلي حول مفهوم الوطن، وعدم وجود الحنين في الشعر العربي القديم، مضيفًا إلى أسباب غياب هذا الحنين: «أن الشعور بالوطن والتعبير عن الحنين إليه شيء ذاتي شخصي، والشعر العربي آنذاك لم يكن شعرا ذاتيًا، إنه تعبير عن مشاعر الجمع وحنين الجمع لإخفاقات الفرد الوجدانية». وأحسب أن إضافة العلي تحمل عمومية مقلقة لا يمكن الاطمئنان إليها، وبخاصة حين ينفي حضور الذات الشخصية إلا قي إطار التعبير عن الذات الجماعية (21) . كما تناول علي الألمعي هذا الموضوع ويخرج مجموعة من الحلقات في الملحق الثقافي لجريدة الجزيرة «الثقافية» تتحدث عن الوطن، وكان عنوانها: «قصيدة الوطن في شعر بعض شعراء عسير مقارنة فنية(22).

وواضح أن الباحث كان يبحث في الشعر العسيري فقط، ومع ذلك فقد أدخل إلى الشعر الوطني ما يمكن أن يسمى «بشاعرية المكان» حيث إن غناء الشعراء العسيريين وحنينهم لمدنهم وقراهم يعود إلى شعور وجداني يتعلق بالمكان وذكرياته، وباعتباراته الذاتية، لكنه لا ينطلق بالضرورة إلى شمولية «الوطن» الذي يأتي التعبير عنه محملًا بمزيته الشمولية، وطنًا قارًا بحدوده وجغرافيته وتاريخه وحضارته لدى الشاعر المتلقي، أما أن يكون حديث إبراهيم طالع عن «تهامة» ومحمد الزيداني عن «ألمع»(23) ومحمد زايد عن أبها(24) قصائد وطنية فهذا من التجاوز على خصوصية الوطن الشامل، الذي يعنيه المبدع والناقد والمتلقي حين يكون الحديث عنه، وطنًا يراعي هذه الخصوصية الحضارية المدنية الحديثة.

وقد تعرضت للوطن بشكل عابر بعض الكتب النقدية التي ألفت في بدايات الحركة النقدية السعودية حيث يقرر مؤلفًا كتاب « وحي الصحراء» عبدالله بلخير ومحمد سعيد العمودي أن تأليف كتابهما كان خدمة وطنية شريفة(25).

ويدفع الإحساس القومي الوطني عبدالله عبدالجبار لتأليف كتابه «التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية» يقول: «والأمل كبير في أن نشجع دراستنا هذه أساتذة الأدب وطلاب الماجستير والدكتوراه في هذا المعهد وفي سائر الكليات الأدبية بجامعة الرياض وجامعات الجمهورية العربية المتحدة على أن يولوا هذه الناحية الجديدة من الدرس ما هي جديرة به من عناية وجهد وفقنا الله جميعًا لما فيه خير الثقافة العربية وكفاح الشعب العربي في كل مكان(26)» ويكتب عبدالسلام الساسي كتابه «شعراء الحجاز في العصر الحديث» وينقل قصائد وطنية في الحنين والحب(27).

بيد أن هذا الاتجاه نحو دراسة الشعر الوطني لم يتحقق على الوجه المأمول فقد تناول بعض النقاد العرب الذين كتبوا عن الشعر السعودي الشعر الوطني تناولًا سريعًا مقتضبًا، وسار هذا التوجه على مجموعة من النقاد الآخرين، حيث يعمد «بكري الشيخ أمين» إلى اختيار قصيدة «جدة» لحمزة شحاته مدللًا على الاتجاه الوطني، وقصيدة بكائية أخرى «للغزاوي» وثالثة لمحمد سرور الصبان، وهي قصائد يوردها بكري في هامش صفحاته(28).

ويتابعه بعد ذلك «محمد حسني المصطفى» حذو القذة بالقذة، وينقل النصوص ذاتها دون أن يشير إلى مصدره، مما يعد جناية علمية بحق البحث العلمي، وجناية أخرى بحق الشعر السعودي وشعرائه(29) وينقل بعد ذلك محمد حسن شراب عن بكري نص جدة ونص محد سرور الصبان، مع أن نص الصبان(30) كان كما يشير سرور بعد أن نفى شراب عن وطنه بعض الوقت، وهو الأمر الذي يدعو للغرابة أن يختار هذا النص بذاته، أو نص «جدة» لحمزة شحاته للتدليل على الاتجاه الوطني في السعودية.

ولم يتوقف النقاد السعوديون كثيرًا أمام هذا الاتجاه فحسن الهويمل يكتب فصلًا عن الاتجاه الوطني والقومي ولكنه يستحضر الاتجاه الوطني عبر قضية فلسطين عند البواردي، وهو خلل في تصور القومي والوطني، فليست فلسطين قضية وطنية أو قومية بل هي قضية إسلامية كبرى(31).

ولم يشر عبدالله الحامد إلى الاتجاه الوطني في الشعر السعودي، بل تجد لديه شعر التربية، وشعر النهضة والدعوة إلى العمل(32) على سبيل المثال.

ومن هنا فلا شك أن حضور الوطن في الشعر السعودي على المستوى النقدي قد ناله شيء من التجاهل والإهمال، وقد يكون الأمر مبررًا لو أن الشعراء السعوديين أقلوا أو أحجموا في الحديث عنه، ومحضه الحب والحنين، بيد أنهم على العكس من ذلك، كانوا منساقين إلى التعبير عن ذلك في تجلياتهم الشعرية، وهو ما أؤمل أن أعرض شيئًا منه في الصفحات الآتية إن شاء الله.

الشاعر السعودي وأزمة الموضوع

تتحرك قصيدة الوطن في المملكة العربية السعودية عبر مجموعة من الدوائر المتداخلة التي أنتجها الوطن بتاريخه المكاني والزماني والإنساني حيث يلحظ المتأمل لهذا الخطاب أنه يتجه نحو عناصر ثلاثة أساسية هي المكان والزمان والإنسان، وهي خصوصيات ثلاثة مهمة، أنتجت مجموعة من الدوائر التي كانت «الذات» الشاعرة تتجه أحيانًا إلى جزء منها، وأحيانًا أخرى إلى مجموعة من الدوائر المتداخلة.

وتعد الدوائر هنا قيمة مضمونية وفنية استطاع الشعراء في كثير من تجلياتهم أن يتحركوا معها متداخلين لا متقاطعين، حيث يبدو الخطاب الشعري امتزاجًا واعيًا لهذه الدوائر التي نظمها في صورة باذخة، تفيد من كل هذه الكثافة المضمونية والفنية للوطن، بأبعاده الخاصة التي انفرد بها ويضحي الحديث هنا عن الخصوصية ميزة فنية أسهمت في إمداد الصورة الشعرية بالرمز التاريخي الحضاري الذي يتوزع في تفاصيل الصورة الشعرية.

لقد كانت «ذات الشاعر» مركزًا مهمًا وفاعلًا ومنتجًا لحركية متدفقة وث�'َابة تنطلق إلى الوراء بذات السرعة التي تتجه فيها نحو الأمام، وتمزج بين المعطيات المكانية المهمة والزمانية؛ لتنتج خطابها الشعري الذي يأتي محملًا بالإيحاءات الفنية التي وإن استندت إلى الذات الشاعرة أساسًا، فإنها تستند أيضًا إلى هذه الذات في صياغة هذه المتنوعات الغنية بالدلالة المكثفة، نظرًا للخصوصية التي أضحت ملمحًا إيجابيًا أفاد منه الشعراء عبر هضم هذه الدلالات وتمليها في ذواتهم الإبداعية، ومن ثم تشكيلها في قصيدة الوطن، على نحو أضحى معه الشاعر السعودي أمام مهمة تاريخية نوعية استطاع في كثير من الأحيان أن يترجم هذه الكثافة المضمونية، والغزارة الحضارية، والمنجز الآني في صورة تعكس قدرته على استيعاب كل ذلك، ورصده وترجمته فنيًا في صورة شعرية تواكب بين الذات الشاعرة المنتجة لخطابها من خلال إحساسها العميق به، والذات الشاعرة التي تقف أمام عالمها الخارجي بمعطياته المتنوعة لتفيد منه.

لقد كان الشاعر السعودي «ذاتًا» مركزية واعية لمجموعة من المحاور التي شكلها هذا الخطاب، ولعل الشكل رقم (1) يوضح هذه الأبعاد المتنوعة.

إن حركية «الذات» الشاعرة هنا كانت موزعة إلى كل هذه الاتجاهات، فهو يتناولها ضمن وعيه الفكري، وغناه الثقافي، وقدرته على تملي هذه الإضاءات المتنوعة. ولم يك ذلك ليعني أن الشاعر ملزم - أمام كل هذه التنوعات الغنية لموضوعه - بالحديث والرصد، بيد أن ذلك يعني أن المتلقي يعي في كثير من الأحيان هذه التجليات «لوطنه» ولذا كان من الشعراء من حاول المزج بين كثير من هذه التجليات، وكان منهم من ركز على دائرة واحدة، ورآها جديرة بالتأمل، حرية بترجمتها فنيًا من خلال ذاته، وكان منهم من حاول أن يوزع هذه التجليات في كثير من قصائده كما سيأتي. فهل كان الشاعر في مأزق شعوري وهو يريد أن يتحدث عن وطنه؟ إنني أظن أن الإجابة، نعم! فقد كان هذا الوطن بحضوره الديني الروحي، وبتجلياته التاريخية ورصيده الغني من معطيات الحضارة، وآنيته التي سجلت حضورًا حضاريًا لافتًا أمام منجزه التاريخي مشكلًا مضامين غنية لا يمكن تجاهلها بمعنى أن الشاعر السعودي كان أمام وطن الإسلام والعروبة والتاريخ والأمجاد الماضية، بيد أنه كان إلى جانب ذلك أمام وطنه السعودي الذي حقق الوحدة بين قبائله المتناحرة وسجل خطوات حضارية هائلة حين استثمر الطفرة النفطية بوعي نادر في سبيل نهضة المكان والإنسان في ظل منظومة مدركة واعية، استطاعت أن توائم بين الثابت والمتحرك، بين سيرها نحو الاستفادة من كل المعطيات الحضارية التقنية التي جاءت من «الآخر» المختلف معها حضاريًا، دون تفريطها في ثوابتها وشخصيتها الحضارية التي حم�'َلها التاريخ إياها ولذا كان الشاعر أمام تدفق مضموني كبير ومتسع.

ولذا كان دالًا ولافتًا أن يكون الحديث عن هذا الوطن أحيانًا يتسم بوصفه بالمحافظة الشديدة، في ذات الوقت الذي يوصف بالتطور الحضاري السريع.

ولعل هذا يجعلنا نتأمل تجربة الشاعر السعودي الشعورية أمام كل هذه المتلاحقات فربما كان ذلك مهمًا في استكناه الأسباب الموضوعية لاتجاهه نحو الدوائر المتنوعة التي حاول أن يمزجها أحيانًا في نتاجه الشعري، آية ذلك أننا لا نجد كل هذه الدوائر أو أغلبها عند شعرائه الأوائل كما سيأتي.

شعراء الريادة

«الوحدة واستقراء المستقبل»

كان الإنجاز الذي تحقق على يد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - حدثًا يتجاوز في دلالاته وتجليات بطولته وعزمه كثيرًا مما قيل عنه، ذاك أن الإصرار والشجاعة والقوة لم تكن كافية لتحقيق كل هذه الإنجازات المتتالية، بيد أن الملك عبدالعزيز كان ذا وعي نادر برسالته التي آمن بها، ومنطلقه الفكري الذي جعله همه وعمله وأمله.

لقد كان الملك عبدالعزيز صاحب رسالة فكرية استلهمت التاريخ، واستثمرت العواطف الدينية للمجتمع من خلال خطاباته التي كان يرسلها لأمته موضحًا أن رغبته كانت الوحدة والاعتصام، وإيقاظ الأمة النائمة لمواجهة مستقبل مختلف ولذا لم تكن دعوته تحريرية ثورية سياسية، بقدر ما كانت دعوة للعقول واستنهاضًا للعزائم للاتحاد، وكأنه - يرحمه الله - كان ينظر المستقبل بعيون واعية، تأخذ في حسبانها تلك الإرهاصات العالمية التي كانت مؤشرًا مهمًا للواعين بأن المستقبل سيكون مختلفًا ومذهلًا ومتسارعًا، وأن بلاده ستكون أسًا مهمًا من أسس إمداد هذه القفزات الحضارية العالمية بما تحتاجه من دعم نفطي يعد ركيزة من ركائز نهضة الإنسانية، التواقة لرفاهية الإنسان، وراحته بعد سنوات من إبادته وانتهاك حرياته، وقتل تطلعاته، ولذا كانت خطابات الملك عبدالعزيز تستند وتركز على البعد الحضاري الذي يأخذ قوامه وروعته من خلال التركيز على المصدر الإلهي في التوجيه والحكم، والنبع النبوي الشريف. هذه الرؤية هي التي استمدها الملك عبدالعزيز لمواجهة مستقبل كان يستقرئ ويتملى نتائجه بوعي وعمق؛ ولذا كان يحاول أن يهيئ شعبه لاستقباله من خلال وسطية موضوعية ترتكز على معطى فكري ثابت وقابل لكل جديد ومفيد، وكان الشعراء السعوديون الرواد يرصدون هذه الآمال والتطلعات، ويرسمون هذه الموازنة بين الثابت والمتحول، بل ربما كان اهتمام بعضهم. ينصب على رغبته في بعث الضياء الحضاري القديم، ولم يكن عجبًا أن يتسم نظم بعضهم بتقريرية علمية جافة كما كان لدى ابن سحمان(33) الذي كان همه أن يوطن فكريًا وفنيًا من وجهة نظره لهذا المنجز السياسي، في حين كان الشعر النجدي يتسم بوقفته التسجيلية والمباركة لإنجازات الملك عبدالعزيز، حيث يغدو رصدًا تراثيًا للحوادث الجديدة والانتصارات المتلاحقة، ولم يك محمد بن عثيمين وابن بليهد وابن مشرف ينطلقون نحو القصيدة القديمة في رصدهم الشعري، ولم يكونوا تراثيين فنيين في صورهم وألفاظهم فحسب، بل كانوا إلى جانب ذلك متسقين فنيًا وفكريًا وروحيًا مع الخطاب الديني والسياسي الذي ارتآه الملك عبدالعزيز من خلال اعتماده على الأصول الحضارية للأمة، فكان الخطاب الشعري متناغمًا كذلك مع هذا التوجه وهو توجه فرضته المرحلة، وواجه الشعراء النجديون الذين عايشوا تلك المعارك في جهاتها المختلفة، وهي تحقق الإنجازات المتوالية. ومن هنا فقد دعم الملك عبدالعزيز هذا الخطاب الشعري الراصد لظروف المرحلة بكل تفاصيلها المهمة، وكان هذا الخطاب متجليًا في ذلك من خلال محاكمته إلى ظروف وصلته السياسية، لا ظروفنا الآتية.

لقد كان شعر المواجهة القريبة المحتكة بهذه الظروف العسكرية نسيجًا لوعي وطني يأخذ في حسبانه مهمته في الدعم والتأييد.

ولو ذهبنا نحصي مواقف ابن عثيمين مع الملك عبدالعزيز لوجدنا كثيرًا من قصائده تصور على طريقتها التراثية المتميزة هذه الانتصارات، والمتأمل لشعر ابن عثيمين يجد أنه كان صوتًا مختلفًا جدًا، حيث أعاد إلى القصيدة العربية توهجها، عبر قدرة واستيعاب للتراث، ومهارة فنية دالة وأنت واجد هذا الحس الوطني في دعم الملك عبدالعزيز من خلال قصائده المتنوعة في تهنئته بدخول الأحساء، وحائل وأبها...إلخ(34).

يقول مهنئًا الملك عبدالعزيز بسلامته:

لله في كل ما يجري به القدر

لطف تحاربه الأفهام والفكر

إن الذي قد شكا عين الزمان له

شكا له المسلمون البدو الحضر

أقول للناس إذا راعت شكيته

مهلًا فلله في أحوالنا نظر(35)

لقد كانت النفس الإيمانية، والحس الإبداعي السابق لزمنه واضحة هنا، حيث تأتي الأبيات ناقلة لعاطفة جمعية صادقة، أمام حدث مخيف ومحزن، بيد أنها تقف واثقة عالمة بأن لله حكمة في كل أمر، ومع تراثية الصورة هنا «عين الزمان» وتراثية المعجم فإن كل ذلك يحسب فنيًا للشاعر إذا مارس ضمن إطار عصره، وضمن نتاج معاصريه في المملكة وفي الدول العربية غير متناسين أن الشاعر وبقناعة فكرية نادرة قد أتلف في آخر حياته كثيرًا من شعره(36)، وقد أبقى هذا الشعر الوطني دون إتلاف في دلالة مهمة. ويسمي ابن بليهد ديوانه تسمية تدل على مساندة واعية، وسعادة بالغة بإنجازات الملك عبدالعزيز، حيث سماه: «ابتسامات الأيام في انتصارات الإمام» ويخصصه للحديث عن مدح وتأييد الملك عبدالعزيز، وابنه فيصل، ويظهر تأثره كابن عثيمين بالتراث الشعري العربي، يقول في حنينه لوطنه وهو بمصر، مستحضرًا رائية علي بن الجهم ومعارضًا لها:

عيون المها بين الجزيرة والنحر

جلبن لقلبي سالف العهد والذكر

حنيني إلى داري وأهلي وجيرتي

إلى مهرة تاهت دلالًا على المهر(37)

وهو استحضار أدبي للتراث عبر استحضار هذه القصيدة التي عارضها الشاعر هنا معارضة ناقصة أو ضمنية كما يسميها بعض النقاد(38).

وكان إلى جانب هؤلاء الشعراء في نجد شعراء آخرون في الحجاز يشعلون هذه الروح الوطنية، ويتقفون إلى جانب هذا الوطن الجديد، ويأتي أحمد الغزاوي واحدًا من هؤلاء الشعراء الذين وقفوا كثيرًا من شعرهم في مناصرة ومدح الملك عبدالعزيز وأبنائه، وسيطول المقام لو أردنا أن نستحضر مشعره الوطني حيث يؤكد د.مسعد العطوي غزارة نتاجه الوطني بقوله: «وأستطيع أن أقرر أن جل شعره الرصين يهدف إلى هذا الهدف السامي فهو إن مدح مدح بما يعود على الوطن بالخير، فمدح أولئك الذين ساهموا مساهمة فعالة في بناء هذا الكيان، ومجد أولئك الذين يضعون لبنة من لبنات التقدم والازدهار، أضف إلى ذلك حديثه عن وطنه الذي لا حدود له فهو متلبس بهذا الوطن وبأرضه وعقيدته وأفراد مجتمعه»(39). وهو اتجاه كان واضحًا لدى الشعراء قبل هذه الفترة في أنحاء الوطن، حيث يقول د.عبدالله أبو داهش عنه في جنوب البلاد، وهو شعر وطني يضرب في التراث ويختلف قوة وضعفًا حسب قدرة الشاعر، وتمكنه من أداته الفنية(40)، وتشارك القصيدة الشعرية الوطنية في عسير بمنتجها الوطني، وينقل د.عبدالله أبو داهش نماذج من هذه القصائد تتجه نحو الملك عبدالعزيز والاعتزاز بالوطن، بيد أنه يظهر عليها التقريرية لدى عبدالعزيز الغامدي وإبراهيم الحفظي وعبدالله الحميد وهي قصائد وطنية بها ضعف شعري إلى جانب ما يصفه د.أبو داهش «بالجفاف والركاكة والنثرية»(41).

لقد قامت القصيدة العمودية التراثية بدور وطني حديث جدًا وهي الضاربة بجذورها في التراث حيث كانت داعمة بأداتها الفنية هذه الوحدة السياسية التي دعا الملك عبدالعزيز إليها، وهي وإن كانت قد أعادت إلى القصيدة العربية رونقها الفني، فقد أسهمت إسهامًا مباشرًا في الدعوة إلى الوحدة الوطنية التي لا تتقوقع في ذاتها فقط وإن كانت تفخر به، وإنما انطلقت نحو كيانها العربي والإسلامي الكبير..

الحداثة الأولى

لم يكن صوت محمد حسن عواد إذا تمعنا فيه وهو يدعو إلى الجديد والحديث صوتًا منشقًا عن الأصوات الشعرية التراثية وإن كان هجومه الفكري حادًا وملغيًا ومهاجمًا بعض الأصوات التراثية الدينية التي تبنت طرقًا من الدجل واستغلال الدين في منافعها الذاتية، بيد أنه مع ذلك كان رجلًا يحمل همًا وطنيًا واضحًا، ولذا يمكن أن تعد دعوته التجديدية إرهاصًا لوعي الذات بتاريخها وحضارتها، ودعوة للنهوض والتقدم، وقد وجد الشعراء بعد ذلك متسعًا من الوقت لتملي هذا الوطن وتاريخه وحضارته وإرهاصات فقراته المتتالية المتسارعة(42).

فحين تهدأ الحوادث السياسية، ويطمئن الفعل الإبداعي، يؤوب إلى ذاته، ويتملى تجربته، ويتاح له الوقت ليطلع على تجارب الآخرين وليقرأ واقعه قراءة واعية مركزة بعيدًا عن المتلاحقات السياسية التي لم تتح - بحكم سرعتها وأهميتها- للشعراء الأوائل أن يرصدوا الوطن قيمة مجردة من الحوادث السياسية والطوارئ المتلاحقة، بيد أن مجموعة من الشعراء الذين واكبوا - صغارًا - هذه الحوادث، وجدوا فيما بعد أمامهم وطنًا جديدًا، ظهر إلى الوجود بعد مخاضات عسيرة من التضحيات الشجاعة الجبارة، التي رأوا جانبًا منها، ومن ثم كانت الصورة أمامهم تحمل بعدين حاضرين، حيث بعد «ما كان» قبل سنوات، «وما هو حاضر الآن»، إلى جانب الأبعاد الأولى التي أشرت إليها سابقًا(43).

ويمثل شعراء الحجاز مرتكزًا واعيًا لهذه الفترة، حيث بدأت لديهم الآمال العريضة في صياغة مستقبل مشرق، بعد كل هذه النجاحات العسكرية والسياسية وأمام ذلك الأمل والرخاء الذي بدت بواكيره وإرهاصاته.

ولئن كان الشعر في نجد ينطلق في جوانب كثيرة منه إلى الآني، والطارئ مهاجمًا وراصدًا ومتطلعًا، فقد كان الشعر الحجازي يمثل رؤية جديدة ترتكز على استحضار الماضي في سبيل نهضة الحاضر، وإشراق المستقبل، وكان شعور المستقبل الرائع، والدعوة إلى النهوض طريقًا فنيًا يعكس قناعة فكرية ثابتة بمواتاة الفرصة، وأهمية اهتبالها، لبناء غد مشرق واعد وهو خطاب يتجه نحو المباشرة أحيانًا، لتمكن الفكرة عقلًا، وتجسدها وعيًا موضوعيًا حادًا في ذهن الشاعر، يتناسى معه شرطها الفني، بيد أنه أحيانًا يتسق مع الشرط الفني حين يغدو «الوطن» في انتظار المجد الذي يلبسه أبناؤه.

يقول العواد:

وما حبك الأوطان دمعًا تريقه

وتشتاق دارًا أو حوارًا مهدمًا

ولكنه أن تجهد النفس ساعيًا

لتلبسها ثوبًا من المجد معلمًا(44)

ومع قلق البيت الثاني الناتج عن إشكالية إحالة الضمير في قوله «لتلبسها» حيث يعيده إلى «النفس» الأقرب ذكرًا، بينما المفترض عودته إلى «الوطن» «لتلبسه» لا إلى «النفس» إلا أن ذلك يرصد أن الخطاب الشعري الحديث عند الشعراء السعوديين، ممثلًا في الأب الجديد الذائع الذكر «العواد» كان يرفض القديم الذي يمثل الحالة الانهزامية أمام الوطن، وهو ما يعبر عنه الشاعر العربي بالبكاء والتفجع والألم أمام المكان الذي أصبح خاويًا بعد رحيل أحبته، حيث يرى العواد أن ذلك سلبية وانهزامية تحد من الفعل الذي يجب أن يكون التعبير عن حب الوطن من خلاله، وهو العمل الذي يصنع المجد ولن يعني ذلك قطعًا أن آهات الحب وآيات العشق انتهت لدى الشاعر السعودي من خلال هذه الدعوة، بل على العكس من ذلك فقد وقف الشاعر السعودي مرارًا وقفة الإعجاب والإكبار أمام وطنه، في ذات الوقت الذي كان يتفق مع العواد في دعوته لبذل الجهد لنهضته، ولذلك يبدو التفاؤل بالمستقبل من خلال رسم الحاضر ووهجه متسقًا وموضوعيًا، وتأتي الأفعال المضارعة المستقبلية إمعانًا في تحقق الفعل وحدوثه، بعد أن تعطى الجملة الخبرية دورها البلاغي في مفتتح قصيدة «السيد عبيد مدني»، حيث يكون الابتداء الاسمي، مرتكزًا لبعث الإجابات المؤيدة والمنكرة والمشككة، وفق سياقها البلاغي من حيث خلو الذهن أو الشك أو الإنكار(45):
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 1:58 مساءً
شوهد 267 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 0.00/10 (0 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية