خريطة الموقع
الخميس 9 سبتمبر 2010م

العدد 185/ سماحة المفتي في حوار مع المعرفة: دور المناهج التعليمية في غرس مفهوم الرحمة في نفوس الناشئين والطلاب في غاية ال  «^»  العدد 185/ رحمة.. حين كان لي من اسمي نصيب   «^»  العدد 185/ الرحمة في المجتمعات الغربية المعاصرة   «^»  العدد 185/ الرحمة.. ياسمين   «^»  العدد 185/ التربية على الرحمة... المستدامة  «^»  العدد 185/ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»   «^»  العدد 185/ من مفاهيم الرحمة في القرآن الكريم : رحمة الهداية .. رحمة العلم.. رحمة التمكين..   «^»  العدد 185/ لغة حانية. . الرحمن الرحيم   «^»  العدد 185/ تبارك ربنا الملك الحق.. الرحمن الرحيم  «^»  العدد 185/ رمضان . . شهر القرآن: )ورحمتي وسعت كل شيء( جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
ملف العدد
العدد 179 / العلاقة الجوهريةْ :الأدب والوطن

العدد 179 / العلاقة الجوهريةْ :الأدب والوطن
العدد 179 / العلاقة الجوهريةْ :الأدب والوطن
بقلم : د. سحمي الهاجري


تقوم صلة الآداب بالأوطان, وارتباطها بها, على علاقة ضاربة الجذور في التاريخ الإنساني, وهي بهذا المعنى علاقة فطرية عامة. أما علاقة الأدباء والمثقفين والكتاب بكيانات وطنية محددة, فهي - في الغالب - علاقة خاصة ومتغيرة, بتغير المنظومات السياسية؛ يتميز فيها الأدب المشارك والمجانس, مثلًا, عن النزعات الأدبية المناوئة أو الفوضوية أو العبثية, مما شاع وعرف في فترات معينة من تاريخ العالم, في ظلّ مسببات وخصائص ونتائج, تختلف باختلاف ظروف المكان والزمان والأحوال.

أي أن الأمور, قد تؤول في بعض الكيانات السياسية, على مر التاريخ, إلى التشويش على تلك العلاقة الإنسانية الفطرية, وتفضي بها إلى حالة من الضمور والتشويه, تجعل الأديب والمثقف والكاتب غرباء في أوطانهم.

وفيما يتعلق بالواقع المحلي, ربطت علاقة ذات خصوصية واضحة, بين الأدب والوطن, منذ توحيد أقاليم المملكة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود, تأسست على قاعدة ما يمكن أن يسمى: (القرار والاستجابة)؛ قرار واع مدعوم من السلطة, واستجابة من الأدباء والمثقفين والكتاب, عنوانها - في الغالب الأعم - تشرّب الحالة الوطنية, والقناعة بها, والمنافحة عنها؛ مما يمكن تلمس آثاره, في أي منتج أدبي أو ثقافي محلي, على وجه العموم, مهما كانت جهة وقوفه من مركزية هذه العلاقة؛ دلالة على ما بلغته حيوية الانتماء الوطني, من الرسوخ في الأذهان والوجدان والعقول.

منذ ذلك التاريخ,لم تعد الوطنية مجرد موضوع أو غرض من أغراض الأدب, بقدر ما صارت كيانًا شعريًا وأدبيًا وثقافيًا وفكريًا, يتماهى مع كامل معاني الوطن, حتى غدت تتفرع منه, في كثير من الأحيان, بقية المواضيع الأدبية والأغراض الشعرية؛ وبالذات بعد اتساع مفهوم الأدب, باتساع حاجات الوطن, ليضم دوائر الثقافة والكتابة عمومًا, كما سيتضح لاحقًا, لأن الأدب بهذه الصفة, ساهم في توجيه وترشيد وتعضيد ممارسة السلطة في الدولة الحديثة, ووقف في الجهة المضادة لأي جهة تحاول الانتقاص من هيبة الكيان الوطني؛ وأصبح الجميع يستبقون الخطا في سبيل مصلحة الوطن, أي أن كل منهم صار يعيد إنتاج السلطة, التي فوضت إليهم سلفا للمشاركة في تنفيذها؛ «فالسلطة تنقل بواسطة الأفراد الذين شكّلتهم».(1)

ولأن العلاقة تأسست على قرارات الملك عبدالعزيز, وهي قرارت حاسمة من جهة, ومقصودة من جهة أخرى, فإن البحث سيحاول الاستفادة من أدبيات علم الإدارة, وبالذات فيما يخص الدور القيادي, وتحديد الأهداف, واتخاذ القرارات, وتوظيف الموارد, والدوافع الذاتية, والحوافز المعنوية والمادية؛ مما سيساعد في استجلاء شبكة الأحداث, والإجابة على السؤال الهام: كيف حدثت الأمور؟ وكيف سارت في هذا الاتجاه؟ وإلى أين ستؤول؟

خاصةً أن من أهم أسباب جوهرية العلاقة, ارتباطها برؤية الملك المؤسس؛ باعتباره واحدًا من بناة الأوطان العظام, يختلف عن غيره من بعض القادة التاريخيين, ممن نجحوا في جوانب, وأخفقوا في جوانب أخرى.

وتأتي البداية من مرحلة التأسيس؛ أولًا, من قبيل إتيان الأمور من أبوابها, كما هو شأن البحث في القضايا الشاملة, ذات التأثير العميق والممتد. وثانيًا, لأن أغلب العناوين التي تناقش الآن, جذورها هناك في تلك المرحلة. مما يدل, ثالثًا, على أن هذه البلاد أقيمت على دعائم قوية منذ البداية.

عمومًا, اتصفت هذه العلاقة بدرجة عالية من الحضور, بحيث يصعب حصر دلائلها, وصعوبة الحصر في حد ذاتها, تعني درجة عمقها واتساعها, ومن هنا جاءت عمومية العنوان؛ بهدف أداء دلالة شاملة, تؤشر إلى شمولية العلاقة واستمراريتها. في مقابل طبيعة البحث المختصرة؛ لتتناسب مع مقامها, ولا تتنحى في الوقت ذاته عن تدوين المداخل الأساسية, والنصوص الموثقة, تستشهد بها على موضوعها؛ فلكي ندرك كنه هذه العلاقة, فإن معرفة العوامل التي ساهمت في بلورتها, والمناخ الذي تشكلت فيه, والنتائج التي أفضت إليها فدلت عليها؛ تقوم على استحضار المعلومات والوقائع, والاستشهاد بالعبارات المنتشرة في الفضاء الثقافي لتلك الفترة.(2)

القرارات الأساسية

إذا نظرنا في مقولة (غيرتز) عن الدول الجديدة, وتشبيهها بالرسامين أو الموسيقيين الهواة, الذين لم يجدوا بعد أسلوبهم الفريد, وهويتهم الخاصة بهم.(3) فإنه لا يمكن من جانب آخر, إغفال الآفاق الواسعة, التي يفتحها تأسيس دولة جديدة؛ من تعدد الميادين القابلة لإطلاق الطاقات, واستيعاب ديناميات التقدم, وتطور أدوات التعبير عنها؛ حيث تلتقي التحديات بالفرص, في مثل تلك المراحل, بل إن التحديات, بما فيها الحاجات الوطنية الماسة والملحّة, تخلق دافعًا قويًا لاستثمار الفرص, خصوصًا إذا كان القائد في تلك الفترة بكفاءة وحزم ومبادرة الملك عبدالعزيز.(4)

لأن كل ذلك, لا يتحقق إلا بالدور القيادي الرشيد, والمنهج السليم, للملك المؤسس, الذي أعجب الأدباء والشعراء بشخصيته الفذة, فألهمتهم نوادر البيان, وغرر الأشعار؛ ليصفه أحدهم بأنه:

خبيئة الله في ذا الوقت أظهرها

وللمهيمن في تأخيرها شان.(5)

ولهذا ستركز الأسطر القادمة على الدور القيادي, وما يرتبط به من دور منهجي, والقرارات التي تفرعت منه, والأثر الذي تحقق باستجابة الأدباء والمثقفين, وتطور الأدب قياسًا بأدب المرحلة السابقة, واتساع مفهومه ليتواءم مع حاجات الوطن المتسعة, وانخراطه في وظيفة محددة الملامح, تجري رعايتها وصيانتها بطريقة مستمرة, بواسطة ثنائية (الرقابة/ الحماية), بما يضمن التجانس المستمر بين الأدب والكيان الوطني, ما يدل على أن مكانة ودور الأدباء والكتاب, وأهمية الأدب والثقافة, دخلت في صميم توجهات الدولة الأساسية, وتعين أن تحظى بقدر عال من الرعاية.

إذن نحن هنا نتحدث عن عوامل موضوعية, وقرارات أساسية, أدت إلى نتائج محددة, يمكن استقراؤها, والإشارة إليها, وتدوينها.

الدور القيادي

يصنف الباحثون العامل القيادي كأحد أهم عوامل التغيير الاجتماعي نحو النمو والتطور, وفي الحالة السعودية كان للعامل القيادي دور حاسم في توجيه الأمور, بما يتناسب مع الطبيعة الكارزمية لشخصية الملك المؤسس.

يرى علماء فلسفة الإدارة, مثل: (ماكس فيبر) أن هناك نوعا من الزعامات أطلق عليه اسم: الزعامة الموهوبة, أو الزعامة الكارزمية. ويقصد بها الزعيم الذي منحه الله سبحانه وتعالى مواهب استثنائية, تمكنه من إحداث تغيير عميق في المجتمع الذي يتزعمه.

وفي الحالة السعودية آنذاك, كان لا مجال قبل تشكيل البنية البيروقراطية الحكومية في الدولة الناشئة, إلا لدور الزعامة الكارزمية القادرة والموفقة للملك عبدالعزيز, كسياسي قدير بعيد النظر. و(فيبر) أساسًا يضع (الفرد الكارزمي العظيم) كما يسميه, في مواجهة البيروقراطية, ويرى أن مثل هذا النوع من القادة, يحقق في ظروف استثنائية ما لا تحققه البيروقراطية, فالشخصية الكارزمية تتوفر لها الرؤية والقدرة والمهارة الطبيعية, التي لا يتسنى للآخرين الحصول عليها, إلا عن طريق التعلم الطويل, والبحث والتحليل والاستنتاج, ورعاية مؤسسات ومنظومات إدارية عالية الكفاءة, ونادرة الوجود.(6)

وبما أن للملك عبدالعزيز الدور الأكبر في تأسيس كامل الكيان الوطني, وتوجيه سياساته, فإن دوره امتد, ودخل في تأسيس ما يسميه (بارسونز): «الأنظمة الفرعية, التي يعيد كل منها إنتاج بنية الكيان الشاملة».(7) ولهذا فإن كثيرًا من الأسس التي أرساها الملك عبدالعزيز, لا تزال مستمرة في توجيه عدد من الأمور الجليلة في البلاد, حتى اليوم, وقد وعى الأدباء والباحثون ذلك الدور على الدوام.(8)

نجح الملك عبدالعزيز في تحقيق حلمه بتوحيد أقاليم البلاد, بعد معارك ضارية, وكفاح مرير, ولكنه يعلم - ببصيرته الثاقبة - أن نجاح ملحمة التوحيد الجغرافي, لن يكتمل, إلا بنجاح عملية تثبيت أركان الكيان الوطني, بالمنهج السليم, أولاً, ثم بالشروع في عملية البناء والتنمية.

وكما أدار المعارك العسكرية بنجاح باهر, واستطاع أن يتعامل مع تعقيدات الأوضاع القبلية والمناطقية؛ ويستخرج الطاقات الضرورية لعملية التوحيد, ويوفق في تحييد ما يمكن أن يعطل المسيرة من سلبياتها ومشاكلها, أدرك أن مهام ترسيخ الكيان, والمحافظة عليه, وارتقاءه في سلم النماء والتطور, يوجب استكمال الدولة لبناها النظامية والتنظيمية, وحماية كيانها, وترسيخ شخصيتها المستقلة, في ساحة دولية تمور بالأحداث والمشاكل والتيارات والنظريات والمطامع, مما يحتاج إلى قرارات أكثر تعقيدًا, تتناسب مع تعقيدات الساحة الدولية, التي تعتزم الدولة اقتحامها, وحجز موقع لها بين أعضائها الفاعلين.

تطلب العمل الضخم, حشد كل الطاقات الممكنة, في مختلف الميادين, وإشراك القوى الفاعلة في الوطن, كل في المجال الذي يمكن أن ينهض به. ومن خلال تجربته الناجحة في إدارة المعارك الحربية, حين اعتمد - بعد الله سبحانه وتعالى - على المورد البشري, في المقام الأول, لندرة الموارد المادية (الأموال والعتاد), كرر الملك عبدالعزيز الاعتماد على المورد البشري مرة أخرى, المتمثل في الأدباء والمثقفين والكتاب, واستعان بهم في عملية البناء وترسيخ الكيان, في إطار حرصه على استثمار كل الإمكانات الذاتية, مستفيدًا من موهبته الفذة في توحيد الطاقات وتوجيهها, ومهارته في إدارة الحشود والمجاميع البشرية.

ومما يؤيد تركيز الملك عبدالعزيز على المورد الوحيد المتاح, أي المورد البشري, ما عرف عنه من عدم ثقته في نجاعة الاعتماد على الدعم الخارجي, وهي صفة تدل دلالة إضافية على فرادة شخصيته وبعد نظره. والمعروف أن إدارة الموارد, إنما تتم على أساس قانون الندرة؛ خاصة وأن مشكلة بناء الدولة آنذاك, تدخل ضمن ما يسمى في علم الإدارة(مشاكل جيدة البنية)؛ فصانعو القرار واحد أو عدد قليل, والبدائل محدودة, أما فيما يخص القيم فهناك إجماع على الأهداف, والاحتمالية محسوبة بدرجة معتبرة.

ولأن المهمة الجديدة, تقتضي قرارات جديدة, وطرائق تفكير جديدة, أو حسب تعبير أحد الأدباء «بناء أسس جديدة, تتفق وروح العصر».(9) أقدم الملك عبدالعزيز على كل ذلك, ونفذه بحزم لا يقبل المساومة, مع أن قراراته الحاسمة, لم يتقبلها البعض, ولكن نظرته كانت أبعد من مدى مداركهم؛ مثل اعتماده للوسطية منهجا استراتيجيًا وأساسيًا ونهائيًا للدولة السعودية الثالثة, وهو ما اتضح بصورة جلية, حين أطلق بعد حسْمه لمعركة السبلة, عبارته المشهورة: «من اليوم سنحيا حياةً جديدة».(10) تلك العبارة المفصلية, التي سنجدها تتكرر وتتردد في مقالات الكتاب, وأشعار الشعراء, فيما بعد, بالصيغة ذاتها تقريبًا, مثل قصيدة الشاعر أحمد العربي المسماة: (ولقد بدأنا اليوم نشعر بالحياة وبالنشور).(11)

بمعنى أن النجاح الثاني للملك المؤسس, تمثّل فيما حققه من نقل أحلامه الكبيرة بالكيان الوطني الواحد, القابل للتطور والنماء, إلى عموم أفراد الشعب, وفي طليعتهم قواه الحية, وأغلبهم من الأدباء والمفكرين والمثقفين, ليساهموا في ملحمة البناء والتعمير, وقبل ذلك وبعده في المحافظة على تماسك الكيان, وتأمين تطوره المتواصل.

الأمر الذي استدعى إطلاق الحرية للقوى الفاعلة, ليساهم كل منهم في مجاله, واحترام كل أصحاب الطاقات وتشجيعهم, ومن هنا تبرز قيمة العامل القيادي, حيث التقت الإرادة القوية, والضرورة الوطنية, بالقراءة الصحيحة لعوامل الواقع, والاستشراف الموفق لتحديات المستقبل.

الدور المنهجي

إذا تساءلنا عن العوامل التي ساعدت, بصورة مباشرة, على اعتماد منهج الوسطية, فأول ما يبادرنا أن الإنجاز ينتج الإنجاز, كما تنتج الشجرة ثمرةً من جنسها؛ فقد أثمر توحيد الأقاليم الجغرافية حاجةً أخرى, وهي أهمية تآلف العقول والقلوب والنفوس(12), وهذا لا يتأتى إلا بتوحيد المنهج, وهو التوحيد الثاني الذي حققه الملك عبدالعزيز, وثبّته بحزم وحسم, باختياره لمنهج الوسطية, المتجانس مع حالة التوحيد, وعقلية التوحيد.

جاء منهج الوسطية, على حساب بعض المناهج الأخرى, التي تؤول عند التطبيق إلى الاختزالية والعدمية؛ فالوسطية علاوة على أنها منهج جامع؛ فهي قبل ذلك كله تتناسب مع يسر وسماحة الدين الإسلامي, الذي يتوجه في جوهره لاستيعاب اختلافات البشر, وتنوع الأجناس والأعراق والحاجات, في كل زمان ومكان, لأنه خطاب رحمة, موجه إلى الناس أجمعين.

والمتابع لتاريخ الملك عبدالعزيز, منذ بداية ظهوره على مسرح الأحداث, يلاحظ عددا من الإشارات التي تبين أن الوسطية في الفكر والسلوك والتصرف, كانت إحدى السمات التي تطبع شخصيته؛ ولهذا فبعد نجاحه في توحيد أقاليم البلاد, وإقامة الدولة, وحين دعت الضرورة إلى توفير «وازع عام ينتظم الجميع ويمنع الفتن».(13) لم يكن من المستغرب, تحوّل هذه السمة الأساسية في شخصية القائد, إلى قرار استراتيجي من قرارات الدولة, فوظف السلطة لجمع الكلمة, من خلال تبني منهج الوسطية؛ لتلازمها مع حالة التوحيد ومع عقلية التوحيد, فالوسطية هي المنهج الذي تجتمع داخل إطاره معظم الآراء والرغبات, مما يتيح قدرا كبيرا من المرونة اللازمة لممارسة السلطة, ويسمح بإقامة التوازنات بين حرية الأفراد ومصالح المجتمع, وتغليب نسبية الآراء والأفكار المتعارضة على حديتها, فيتحقق بذلك استقرار النظام, والحفاظ على الأمن, وإقامة لواء العدل.

بمعنى أن الظروف تطلبت بيئةً لترسيخ الوحدة, والانطلاق في ميادين العمل والإنجاز, والوسطية توفر المناخ المناسب لتوحيد الجهود, وتحقق أكبر قدر من التجانس بين وحدات البناء الاجتماعي, وتؤمّن الوصول إلى (الوفاق المدني) حسب تعبير كانت.(14) ذلك أن خضوع أي مجتمع لأنواع متنافرة من الثقافات والقيم والمعايير الاجتماعية, يؤدي إلى تعويق عمليات التغيير الاجتماعي, ويعطل مشاريع التطور والنماء, وينتهي إلى بعثرة الجهود, وتفكك مكونات الكيان الوطني.

ولضبط مفهوم الوسطية هنا, كما يراه البحث, ويؤيده الاستقراء والاستنتاج, فإن المقصود هو الممارسة الواقعية الرشيدة, التي تعرف مكانة القيم الجوهرية الثابتة وقيمتها, وتؤمن بها عن بصيرة, وتوظفها بكفاءة, لأنها تعرف أيضًا عوامل وشروط الواقع, وتحسب حسابها, وتستفيد منها, وتتجنب سلبياتها. أي أن الوسطية بهذا المفهوم ليست تعريفا ساكنًا أو حدًا قاطعًا, يعود فيصير قيدًا, أو يؤول إلى التذبذب والتلفيق, بقدر ما هي توجه بصير, ومنهج مرن, يتخلص من ثنائية (إما/ أو), وينظر إلى الأمور من خلال نسبيتها في الواقع, ودقة تنزيل التجارب والنصوص عليها.

تناسب هذا المنهج مع الواقعية السياسية, ومع المهام الجليلة التي رأى الملك المؤسس أن على شعبه النهوض بها, بعد أن مهد لهم الطريق باختيار سياسة تنطلق من القاعدة التي تقول: أن «السياسة ممارسة أولًا».(15) أكثر منها نظريةً قبْليّة؛ أي أن الملك عبدالعزيز بحصافته وثاقب رؤيته, طبق آنذاك الاتجاه الذي ساد العالم بصورة أوسع فيما بعد: «إذ لا يبحث التنظير الحديث عن النظام الأمثل, كما يفعل القديم, بل يروم هندسة هيكل حكومي متوازن». كما يقول عبدالله العروي.(16)

ولهذا يرى علي الشدوي أن سلطة الملك عبدالعزيز آنذاك كانت (سلطة تلاؤمية), في تمييز لها عن (السلطة القسرية), أو(السلطة التعويضية). حسب تقسيمات (جالبريت).(17)

ويقول الشدوي تعليقًا على ذلك: «نحن نعرف الآن أن ما يميز شخصية الملك عبدالعزيز, وله صلة مباشرة بالسلطة التلاؤمية, هو حمل الآخرين على أن يخضعوا بالإقناع, ساعده في ذلك الهالة التاريخية بوصفه قائدًا يمتلك القدرة على أن يعرف رغبات الناس.. كان يعرف ما يريده مؤيدوه, وينطق باسمهم, ثم يقودهم بثبات وعزم, إلى العمل الذي يحقق ما يطمحون إليه».(18)

وهذه الدراسة تتفق مع الشدوي هنا, ولكنها تختلف معه في التحليل الذي ذهب إليه بعد هذه الفقرة مباشرة, من أن هذه السلطة التلاؤمية انتهت بنهاية عهد الملك عبدالعزيز, انطلاقًا من بعض الفترات التي حدث فيها انتكاسات ظرفية, مستشهدا بقول (جوته) في مسرحية (فاوست): (ما يلمع إنما يولد للحظة). والشدوي بهذا الاستشهاد, مع الفارق, يقع بطريقة مباشرة فيما أخذه على الغذامي من الوقوع في شرك: «إرضاء عاداتنا المنمقة في التعبير والتفكير».(19)

لأن العلاقة التي يدور الحديث عنها, ليست مجرد ومضة براقة أو لامعة, كما هي صفات التدابير التكتيكية, بل علاقة استراتيجية راسخة, كما تدل الشواهد. وكما ستأتي الإشارة إليه في الخاتمة, فإن الرأي الذي ذكره الشدوي, وما يماثله من تحليلات, يبقى في دائرة الحالات الاستثنائية, في مسيرة علاقة جوهرية أساسية, تتعرض شأن كل هذه القضايا الكبيرة, إلى لحظات تشويش واهتزاز ظرفية, بالدرجة التي لا تلغي خطها العام.

ومما يؤكد مثل هذا التحليل, سهولة العودة إلى ذلك الخط في أي لحظة؛ كما يحدث حاليًا من خطط الإصلاح, والحوار الوطني, وحوار أصحاب الحضارات, وأتباع الديانات, على مستوى العالم, الذي ترعاه المملكة, وتساهم فيه مساهمة فعالة, ومثل افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية, والأمثلة من الكثرة بمكان.

الفارق أن الأمر دخل في دوائر أوسع، بعد أن كان محصورًا في الحجاز, لأسباب تتعلق ببداية التعليم, ووجود المتعلمين بين أبناء الجاليات والمجاورين للحرمين الشريفين.

إذن اعتماد الوسطية, علاوة على أنه حقق (الوفاق المدني) في مرحلة أولى, فإنه في مرحلة ثانية, وحد الجهود نحو البناء والتطور, وعمل في مراحل تالية, على مراكمة ركائز ترسيخ الكيان الوطني.

واعتماد (منهج الوسطية) بحزم وحسم, رفعه إلى درجة القيمة الجوهرية العليا (CORE VALUE), أو القرار الاستراتيجي الرئيس, الذي تفرعت منه بقية القرارات الأخرى, ومنها منح ذلك القدر المناسب من الحرية, الكافي لإطلاق إشارة البدء في اكتشاف الطاقات الكامنة, وتوجيهها نحو تحقيق الإنجاز المطلوب.

فتوحيد الأقاليم سمح بتوفير الأمن المادي, وكان بلا شك حاجةً أساسيةً مفقودة, ولكن استقرار الوطن وتطوره, لا يتم إلا بتلازم الأمن المادي مع الأمن الفكري.

فصارت الوسطية وسطًا (أي ميدانًا ومجالاً), لاستدامة الوحدة, وبالتالي وسيطًا للبناء والتقدم, إضافة إلى أن الوسطية تؤمّن المرجعية الملائمة للتعامل الواقعي مع الثنائيات المتقابلة, مثل ثنائيات الداخل والداخل, والداخل والعالم, والتراث والمعاصرة... إلخ.

وفيما يخص هذه الثنائية الأخيرة مثلاً, أتاح اعتماد منهج الوسطية, دقة النظرة, وتحويلهما من قيدين أو طرفين متضادين, بوجه من الوجوه, إلى موردين مثمرين؛ لما في الجانب الإيجابي من المعاصرة, من ارتباط بالعالم الحديث, والمشاركة الفاعلة في حركة العصر, بالدرجة التي لا تسمح بذوبان الهوية الوطنية, مقابل الجانب الإيجابي لمفهوم الأصالة, المتجه إلى الارتباط بجوهر الأصالة بصفتها كينونة, وليس إلى ماضويتها كتاريخية قارة تتعالى على السيرورة, ولهذا أبدل الملك عبدالعزيز بيت الشعر القائل:

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا

حيث الاحتباس في أطر الماضي, إلى صيغة جديدة هي:

نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل فوق ما فعلوا(20)

بالنهل من العناصر الجوهرية في الأصالة, وعدم الوقوف على ما وقفت عنده في ماضويتها, أو لحظتها التاريخية المحدودة بزمنها الخاص, ووقائع سياقاتها الظرفية.

القرار والاستجابة

كل ما سبق يكشف أن الملك عبدالعزيز, كما أحسن اختيار جنود معارك التوحيد الحربية, ونجح في إدارتهم, نجح مرة أخرى, في اختيار الجنود المناسبين لخوض معركة البناء والتعمير, وصار الأدباء والمثقفون والكتاب في طليعة جنود المعركة الجديدة؛ فبهم شغلت الوظائف اللازمة لبناء الهيكل الإداري للدولة, وإليهم أسند إصدار الصحف؛ للنطق باسمها, والمنافحة عنها, وترسيخ هويتها وشخصيتها المستقلة, وجاء الأمر بمجمله بمثابة القرار الاستراتيجي كما أشرنا, وإن كنا قد لا نعثر في تلك الفترة على قرار مكتوب, بهذا المعنى, ولعل ذلك أبلغ ما في هذه المسألة؛ فكثير من القرارات المكتوبة تظل حبرًا على ورق, ولا تجد سبيلها إلى التطبيق على أرض الواقع.

وعدم وجود قرار مكتوب بهذه الصفة, يدل على أن الأمر أهم وأخطر, لأنه يتعلق بتوجه عام, يمثل واحدًا من المرتكزات الأساسية للدولة, ومن الجلي أنه قرار ضمني واضح المعالم, وجد استجابة واضحة المعالم أيضًا.

وكما يعلم المطلعون على جلائل الأمور, والمختصون في علم السياسة والإدارة, فإن القرارات الاستراتيجية, لا تنشر بالطريقة ذاتها, التي تنشر بها القرارات التنفيذية عادة, بل يقتصر تداولها على دائرة ضيقة جدًا؛ ولذلك لا يمكن في هذا السياق إغفال إشارة هامة ذكرها محمد حسن عواد بقوله: «الواجبات لا تملى, ولكنها تطلب, أو يشار إليها بطريق الإيحاء, أو بطريق تقرير هذه القيمة في الأذهان».(21)

وهذه العبارة تشرح واقع الحال, فالعلاقة لم تبن على الإملاء أو الطلب بطريقة ميكانيكية, وإنما على ما هو أرقى, أي الإشارة والإيحاء وتقرير القيمة في الأذهان.

وهذا أكبر من أي قرار مكتوب, وبدا أن الجميع بلغوا بهذا التوجه الاستراتيجي, فأسهموا بأقلامهم في نهضة الكيان الوطني, وأفصحت عنه عباراتهم في ذلك الوقت, مثل عبارة العواد ذاته: «أمامنا الحرية بأنواعها».(22) وعبارة الآشي: «حيهلا بالحرية الفكرية».(23) وعبارته الأخرى الواضحة: «نكتبه على حسب ما تلقينا من الحرية الأدبية».(24)

وجملة (على حسب ما تلقينا) تدل صراحة على أن هناك مرسلا ذا سلطة, ورسالة لها مضمون محدد, ومرسلا إليه, بلغ الرسالة ونفذها.

بذلك أصبح ولي الأمر معنيا بالشأن الأدبي والثقافي بصورة مباشرة, ولهذا نجد الأمرين مقترنين معًا, (الأدب وولي الأمر), في عدد كبير من عبارات تلك الفترة, مثل قول محمد سعيد عبدالمقصود: «مما ساعد على انتعاش الحركة الأدبية وتقدمها في هذا العصر, رفع بعض الحواجز التي كانت مفروضة في العصر السابق, ونؤمل أن تتقدم الأيام بالأدب... وليس ذلك على الله ثم على أولي الأمر ببعيد».(25)

ومن هنا تبرز أهمية كسْب الأدباء والمثقفين والكتاب, ونقل الحلم الوطني إليهم؛ فمن المعروف أن القرارات الأساسية, تدخل في نطاق الأعمال المقصودة, أو الأعمال المخطّطة, ولكن تطبيقاتها على أرض الواقع, تواجه دائمًا بسلسلة من العوائق والصعوبات, (أو ما يسمى الأعمال غير المخطّطة).

ونجاعة أي قرار إنما تبرز من قدرته على الصمود أمام هذا النمط الأخير من العقبات, وتوفر القرار على قدر من المرونة - بدءًا من مرحلة الترشيد, وصولاً إلى مرحلة الدعم والحماية (كما سيأتي لاحقًا) - يمنحه القدرة على التعامل مع العقبات واحتوائها.

ولذلك فإن القناعة الشخصية عند منفذي القرار, هامة جدًا في هذا الجانب, بتوحد رؤية وحلم المخطط مع المنفذين, وفي طليعتهم الأدباء والكتاب, بعد أن أكد متخذ القرار الثقة فيهم, ودعمهم وقدّر مكانتهم, وأتاح لهم الفرصة, للمشاركة في توجيه الرأي العام, وبلورة شخصية الكيان, والعمل على تقديمه إلى العالم.

ومن الطبيعي أن الأدباء لم يكونوا مجرد أدوات طيّعة في يد السلطة, ولكن لا بأس, فإن القبائل قبل ذلك لم تكن أداة طيعة أيضًا, ومع ذلك حوّلهم الملك المؤسس إلى قوة صلبة, حققت التوحيد الجغرافي الماثل للعيان, وبالطريقة ذاتها, تحول الأدباء والكتاب إلى قوة ناعمة, تدعم استقرار الكيان, وتؤمّن استدامة تطوره الحضاري, وهذا سر عبقرية الملك عبدالعزيز, ومنذ ذلك التاريخ,لم تعد أهمية الحفاظ على الكيان الوطني, تقتصر على إرادة الموحّد, أو رغبة الحاكم, بل أصبحت رغبة شعبية عامة حتى اليوم.

ويتضح من كل ما سبق, أن دور الأدب في الدولة الجديدة, لم يكن مجرد نزوع رومانسي عند الأدباء والمثقفين, بل ارتكز على عوامل موضوعية, تمثلت في سلامة القرار, ووضوح الاستجابة, مما ساعد على تطور الأدب, ووضوح رسالته.

ولأن الأمر لم يكن مجرد نزوع رومانسي, يمكننا هنا - بشكل موجز - ربطه بثنائية (الدوافع والحوافز)؛ حيث مثّل نقل حلم الموحّد إلى الآخرين, الجزء الأول من تغذية الدوافع الذاتية لدى المشاركين, يقول أحد الأدباء في تلك المرحلة: «أظن أنه لا يوجد في المملكة العربية السعودية اليوم من يشك أن هناك في طول المملكة وعرضها نهضة قوية تدفع النفوس دفعًا إلى تطلب الكمال في جميع شؤون الحياة, ونظرة واحدة في حياتنا أمس وحياتنا اليوم تكفي لأن تقنع إقناعًا صحيحًا كل من يتوهم غير هذا».(26)

ومما يرفع من أهمية هذه القوة الدافعة, قدرتها على الاستمرار طويلاً فيما بعد, لأنها صارت بمثابة الالتزام الذاتي الراسخ. سئل محمد حسن عواد قبل وفاته بأشهر قليلة: هل تعتقد بأنك أعطيت كل شيء؟. فأجاب: «لا.. لم أعط كل شيء.. وأرجو أن يمد الله في عمرنا جميعا لنخدم هذا البلد بكل ما نملك بإذن الله تعالى».(27)

ومن المعروف, أن الدافع عنصر (داخلي) ينبع ذاتيًا عن طريق قناعة الأفراد الذاتية, وتغذّيه الحوافز (الخارجية), ومنها ما هو حافز معنوي, مثل: ما أشير إليه سابقًا, من منح الثقة والحظوة بالتقدير والمكانة, وتوفير قدر من الحرية الأدبية لهم, وحمايتهم من العامة وأشباه العامة, وكف أذاهم عنهم. أو حافز مادي, مثل: شغل وظائف ومناصب الدولة بهم, أو شغلهم بها, وإسناد إصدار الصحف لهم, وما يتعلق بذلك من قيادة وتوجيه الرأي العام في الداخل, بما يتناسب مع سياسات الدولة ومصلحة الوطن, وبلورة شخصية البلاد, وهويتها المستقلة, وتقديم صورتها ورسالتها إلى الخارج.

والأمثلة على النتائج المتحققة كثيرة جدًا, ومثلها النصوص التي تدعمها وتدلل عليها, ويمكن في هذا المقام إيراد بعض نماذجها.

فهذا – مثلاً - الأستاذ أحمد أبو بكر إبراهيم - وهو معلم مصري عايش تلك الفترة, ويعتبر شاهدًا عليها - يقول بعبارات واضحة: «إن هذا الاتجاه الجديد الذي بعثه العهد السعودي في أطراف الجزيرة العربية كان خليقًا أن يستحث الأدباء إلى الإجادة, ويدفعهم إلى العناية؛ لأنهم وجدوا ملكهم كثير الهبات يكافئ المحسن على إحسانه, ويقرب إليه الأدباء ويحلهم من نفسه منـزلة سامية, وهذه الظاهرة في الحجاز واضحة بينة لا تحتاج إلى دليل, ويكفي أن يقرأ الزائر لهذه البلاد ثبتًا بأسماء المستخدمين في الإدارات والمصالح, فيؤمن بعد ذلك أن جلالة ابن السعود لم يخترهم عبثًا, وإنما كشف فيهم البراعة في النثر والشعر؛ فأراد أن يكافئهم على امتيازهم في الأدب بهذه المناصب, ليعيشوا راضين مطمئنين منصرفين إلى الإجادة والإنتاج».(28)

ومن هنا حدث نوع من التمازج بين الأدب والعمل في خدمة الدولة, إذ يلتبس على المتابع أحيانًا, أين ينتهي دور الأدب, وأين تبدأ خدمة الوطن. يقول عبدالله عبدالجبار: «ارتحلت إلى مصر وكان همي أن أتصل بالدراسات العليا, وأقوم بتحضير رسالة للماجستير ثم الدكتوراه.. ولكن طبيعة العمل وعقده, والمشاكل المختلفة التي أحدقت بالبعثات من كل جانب, وقيامي بعمل الإدارة والمراقبة معًا. كل ذلك حال دون استطاعتي تحقيق رغبتي في العمل الأدبي, والبحث العلمي الخاص بي, وبذلك خسرت خسارة أدبية كبيرة لا يعوضها إلا شعوري بأن كل ما بذلته من جهد.. سوف لا يضيع سدى بمشيئة الله». ويضيف في عبارات دالة كل الدلالة: «كان من همي تحقيق الوحدة بين صفوف الطلاب, لا فرق بين عنصر وعنصر, ولا قبيل وقبيل, ولا فرد وفرد؛ وأعتقد أنني في هذا السبيل قد حققت الشيء الكثير الذي يرضي ضميري».(29)

في إعادة واضحة لإنتاج عملية الوحدة الوطنية, التي ترسخت في خلد الأدباء منذ البداية, إذ صارت خدمة الوطن, هي العنوان والهدف, وهي المعيار الذي تقاس عليه بقية الأمور؛ فهذا محمد حسن عواد, مرة أخرى, يكتب ثلاثة مقالات, تمثل المقدمة لكتاب إبراهيم هاشم فلالي: (رجالات الحجاز), فيشير إلى أن الفلالي أديب مغمور, رجاه أن يكتب مقدمة لكتابه, فاستجاب لطلبه لأن فيما يفعله خدمة للوطن.(30)

وهذا يفسر التناغم والتجانس الذي حدث بين أفكار الأدباء والكتاب وسياسات الدولة, مثل شن الحملة على أصحاب الطرق الذكرية, ومدح منهج الشيخ محمد بن عبدالوهاب, والتمهيد لتدريس العلوم الحديثة, وخاصة الرياضيات والجغرافيا, والدعوة إلى تعليم البنات, وتحمل الأذى في سبيل ذلك.(31)

ومثل نشر روح التفاؤل بين أفراد الشعب, الأمر التي تحرص عليه كل دولة, كمقالة العواد بمناسبة مرور عشر سنوات على توحيد المملكة, وتفاؤله بانتعاش الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد, وأن الأدب سينتعش أيضًا بانتعاشها, ودعوة الجميع إلى النظرة الواقعية, وإلى الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية, وإلى الإخلاص «للمليك زعيم الوحدة العربية». حسب عبارات الكاتب.(32)

وفي ضرب من ضروب التحليل, يمكن أيضًا اعتبار الكتابة بأسماء مستعارة, المسألة التي شاعت في تلك الفترة, من قبيل إنكار الذات, والفناء في الوطن؛ فمن المؤكد أن الكاتب باسم مستعار معروف لدى إدارة الصحيفة, وبالتالي لدى السلطة, ولكنه غير معروف لدى العامة وأشباه العامة, مما يحجب عنه الأذى, بتحمل الدولة معنويًا جزءًا من تبعات ما يقول, لأنها تسمح له بالنشر, وفي هذا تعاون كامل الأركان, أو شراكة بالمناصفة, بين الكاتب والسلطة السياسية.

ويلاحظ المتابع تأسيسًا على ذلك, حرص الأدباء والكتاب على ترسيخ هوية الوطن, والحدب على استكمال مقومات الدولة, وبلورة شخصيتها الخاصة, مثل دعوة محمد سعيد العامودي إلى: «إدخال القصة إلى الأدب السعودي, لوجودها في البلدان العربية الأخرى».(33) وهو حدب تكرر في مواقف ومواضع عدة. يقول الفلالي (بعد حوالي 15 عامًا) في كتاب (المرصاد), وكأنه يكمل عبارة العامودي: «لتحتل بين شقيقاتها مكانتها الأدبية المرموقة, حتى لا تكون متخلفة عن لداتها في هذا المجال».(34) وهذه النصوص وأمثالها, تدل على وعي الأدباء بدورهم في هذا الأمر, وعملهم على تكراره وتأكيده.

في هذا السياق, أفضى تعميم حالة التوحيد, وعقلية التوحيد, إلى توحيد الجهود, للوصول إلى أهداف محددة وتفصيلية, تفضي في مجموعها إلى الهدف الأكبر, وهو مصلحة الوطن, وتمثلت هذه الحالة العامة في إفراز ظواهر عدة, منها توحيد الجهود في إصدار المؤلفات, أو ما سمي كتب التجميع, مثل: (أدب الحجاز), و(المعرض), و(نفثات من أقلام الشباب الحجازي), و(وحي الصحراء). وهي «خطوة لها معناها الرمزي في التحول من التبعثر والشتات إلى التجمع والتوحيد... برمزية تتفق مع فكرة جمع الشتات في وطن واحد, وهذا تجانس بلاغي رمزي ما بين الثقافي والوطني». كما سبق أن لاحظ الدكتور عبدالله الغذامي.(35)

صار الوطن - بمنتهى الوضوح - هو الأمر المتفق عليه, والميدان الذي تلتقي فيه شتى الأطياف, التقليديون والتجديديون, وجميع تلك الكتب التجميعية, وخاصة كتاب (وحي الصحراء), ضم بين دفتيه أشعارًا ومقالات للاتباعيين والابتداعيين, كما كانوا يسمون في تلك الفترة.

ومما يدل على اتفاق الجميع, فيما يخص تغليب مصلحة الوطن, والمحافظة على وحدته وتماسكه, ما سبق أن ذكره محمد سرور الصبان في مقدمة كتاب تجميعي آخر, هو: (نفثات من أقلام الشباب الحجازي), حين طالب الشباب بالاعتدال, والاستفادة من خبرة الشيوخ والتعامل معهم, والموازنة بين احترام شيوخ الأدب, وبين الحماس الشديد لكل ما هو جديد.(36)

تطور الأدب واتساع مفهومه

من النتائج التي أفضت إليها هذه الأوضاع, تطوّر الأدب قياسًا بالفترة السابقة, وتغيّر مفهومه ليستوعب حاجات الوطن. يقول أحمد أبوبكر إبراهيم: «رأينا الأدب الحجازي في هذه الفترة الوجيزة من الزمان, يثب وثبة كبرى توشك أن تكون طفرة, إذا نحن وازنا بين حال الأدب في الحاضر (1948م)، وحاله في الماضي قبل هذا العهد».(37)

والكاتب هنا يقارن حال الأدب بين فترتين, ويقيس النهضة الأدبية الحديثة, بحال الأدب في الفترة السابقة على العهد السعودي؛ أي ذلك الأدب الذي وصفه عبدالله عبدالجبار بأنه: «أدب كاب حزين, يعاني من الكبت والحرمان الشيء الكثير, ولو تخيلناه إنسانًا لكان رجلاً يسير محني الظهر, مثقل الخطى, تؤوده الأغلال, ويجر من خلفه السلاسل».(38)

وكان الصبان ذاته, قد قام - منذ البداية - بعقد مقارنة مباشرة, بين حال الأدب والأدباء في كل من العهدين, ضمن مقدمة كتاب: (أدب الحجاز), حين قال: «أقدم بين يدي القارئ الكريم صفحة فكرية وجيزة من شعر الشبيبة الحجازية ونثرها لهذا العهد. ولأول مرة في التاريخ الأدبي لهذه البلاد, بعد فترة طويلة.. قضى بها سوء الطالع لهذه الأمة ولهذا الوطن أن يكون علم الأدب فيها غريبا, والأديب مبتذلاً طريد الأمراء وأعوانهم, من الذين قالوا أنهم علماء.. ذلك العهد الذي تهدم فيه بنيان العلم في هذا البلد المقدس, واندكت فيه صروح الأدب والأدباء».(39)

في إشارة إلى أن إبعاد الأدباء, والتضييق عليهم, كان قرارًا سلطويًا في العهود السابقة, وأن تقريبهم, والثقة فيهم, ومنحهم حرية الكتابة المسئولة, قرار سلطوي أيضًا في العهد الجديد.

ومما يدل على رسوخ هذه الفكرة - التي أوردها الصبان, في عام (1344هـ/ 1925م), وكررها عبدالجبار, في عام (1379هـ / 1959م) - ما ذكره أحمد محمد جمال عام (1368هـ/ 1948م) بقوله: «أتت على الحجاز خمس وعشرون سنة, لم يكن قبلها شيئا مذكورا في كافة أوضاعه ما يتصل منها بالاقتصاد أو الاجتماع أو العمران أو الثقافة على السواء. وتدرج العهد السعودي الموفق, خلال هذه الأعوام الخمسة وعشرين, في معراج تلك الشؤون الحيوية حتى أتى على مرحلة نغتبط بها كل الاغتباط من الاستقرار الرشيد في السياسة والعمران والاقتصاد والتعليم».(40)

وهذه البيئة التي يذكرها الكاتب, أثرت في تطور الأدب, مما جعل صاحب أول كتاب نقدي (المرصاد) يقول: «نحن اليوم في فجر نهضة أدبية قد آذن ضحاها بالسطوع القوي الباهر».(41)

والتطور الذي حدث للأدب, لم يقتصر على مجرد ظهور بعض ملامح التجديد من الناحية الشكلية, بل تمثل أساسًا في تغير مفهوم الأدب, وانخراطه في وظيفة, بحيث صار للأدب رسالة وطنية, لها أفق مفتوح, وهدف واضح. رسالة يجري نشرها بجميع الوسائل المتاحة, ومن أبرزها صحف الأدباء في ذلك الوقت. يقول عبدالله بلخير: «لا يمكن للأديب أن يهرب من واقعه, فهو إن لم يحس بمشاكل مجتمعه وبلده وقومه, وإن لم يشاركهم آمالهم وآلامهم, ويعبر بلسانهم عن الأجمل والأفضل والأسمى؛ فشل في تأدية رسالته كأديب».(42)

هذه المهمة الوطنية للأدباء والكتاب, كان لا بد - من جهة أخرى - أن تطبع الأدب السعودي بطابعها, ربما حتى اليوم, إذ تغلب الأسئلة الثقافية والفكرية في خطابه العام, أكثر من الأسئلة الفنية والجمالية؛ فمع أن كتابات الرواد تأثرت بالأدب المهجري, أو بالأدب المصري, ولكنه تأثّر بتقليد طرائق التعبير, واللغة والأساليب, أي من حيث الشكل العام, ولكن في النتيجة النهائية, أصبح المدخل الأساس لتناول تلك الكتابات, إنما يتمثل في علاقتها بالقضايا والأشكال التي ينتجها سياقها المحلي, وقد توجهت إلى التعبير عنه, وأصبحت جزءًا من هويته الوطنية, ليس فقط في أشعار الشعراء, أو نثر الكتاب, بل حتى في المقالات الصحفية, والكتب الفكرية والنقدية.

والارتباط بين الصحافة والأدب في الواقع المحلي(43), جسّد بصورة واضحة حالة تغير مفهوم الأدب, واتساع وظيفته, باتساع حاجات الوطن, والمهام الملقاة على كاهل الأديب, مع أن حركة نشر الكتب تزايدت بشكل تدريجي, وهو ارتباط يفسر من جانب آخر, ما سبقت الإشارة إليه, من اتساع مفهوم الأدب وانخراطه في وظيفة محددة. حيث: «تغير مفهوم الأدب واندمج في وظيفة, فالمعرفة التي أصبح يعرضها الأدب في الصحافة ينبغي أن تدرج في قضايا الإصلاح الاجتماعي, أما العلاقة التي يجب أن تقوم بين وظيفة الأدب ومحتوياته فهي التي تحدد للأديب ما ينبغي أن يكتب, وبهذا فقد أسندت إلى الأدب مهمات ينبغي أن يقوم بها, على الأديب أن يتكيف معها».(44)

واتساع نطاق المهام التي أسندت إلى الأدباء والمثقفين والكتاب, كرس الطبيعة الموسوعية؛ فالأديب قد يكتب قصيدة أو قصة أو بحثًا أو مقالاً, ويصدر ديوانًا أو رواية, فصار لقب المثقف الشامل, يصدق عليهم, ولم يعد ينظر إلى أنهم أدباء يكتبون للوطن وعن الوطن, بقدر ما هم وطنيون يكتبون الأدب,(45) وأنهم آثروا الاتحاد مع الجماعة, دون أن ينتفي التميز الفردي تمامًا. وساعد على هذا, أن الأدب بصفته مصدرا أوليا من مصادر المعرفة, قابل لأن تتفرع منه معظم أنواع الكتابة الأخرى, تبعا لطبيعة أسئلته.

وعندما نستذكر عبارة (سارتر) بأن المثقف: هو الشخص الذي يهتم بأمور لا تعنيه إطلاقًا, وتعليق (جيرار ليكرك) على العبارة بأن المثقف هنا «يتجاوز حقل مهاراته المهنية».(46) نرى كيف أن توسيع الأديب السعودي لنطاق اهتماماته, إنما يأتي في إطار اهتمامه الوثيق بقضايا الوطن, وإحساسه بدرجة عميقة من الانتماء الوطني.(47) لأن الأدب صار « عنصرا مهما في إنماء ثقافة المجتمع وقيمه الحديثة».(48) ولذلك غدت قضايا المجتمع في صدارة قضايا الأدب, واهتمامات الأدباء والمثقفين والكتاب, وصارت تدخل في إطار الالتزام الوطني للأديب أو الكاتب, لأنه «بالقدر الذي ظهر فيه مفهوم جديد للأدب, إلا أن الأدباء سعوا إلى المحافظة على العلاقة بين التوازن الاجتماعي والأدب, فالأدب شعرًا ونثرًا يقاس بالاجتماعي, ودوافع الأديب شاعرًا أو ناثرًا تخضع لسنن الجماعة, وبهذا فالمفهوم الجديد للأدب الذي نتحدث عنه, هو باعتبار ما كان عليه الأدب قبل هذه المرحلة».(49)

ثنائية (الرقابة / الحماية)

ولكي تكتمل الصورة, تحضر أهمية قضية الرقابة, ربما لأنها تختلف عن المفهوم السائد عن الرقابة بشكل عام؛ أي أنها تؤول إلى نوع من الحماية للأديب والمفكر والكاتب, من عوائق الرقابة الاجتماعية, التي قد تكون غير منضبطة, في كثير من الأحيان.

فمن المعروف أن الحكومات, في بعض المجتمعات المنغلقة, غالبا ما تتقدم على شعوبها, أو تجد من واجبها قيادة شعوبها إلى فتح آفاق جديدة. وبشكل خاص فإن العلاقة التي أرساها الملك عبدالعزيز بين الأدب والوطن, اقتضت صيانة هذا القرار الاستراتيجي ودعمه, وذلك بنقل قضايا النشر, من الرقابة الاجتماعية, التي يصعب التحكم في تداعياتها, إلى جهة الاختصاص في الحكومة, أي ما يوازي (وزارة الثقافة والإعلام) في الوقت الحاضر.

تحقّق هذا منذ الحادثة الأولى, عندما طالب أنصار الطرق الذكرية, بإعدام العواد أو سجنه أو نفيه, بهدف «قتل أفكاره تمامًا... أو سجنها حتى لا تنتشر بين الناس, أو نفيها لإبعادها عن مجال التأثير... وطمس أثر الكتاب (خواطر مصرحة), بالنيل من مؤلفه من جهة, وحتى لا يتجرأ آخرون على السير في الطريق ذاته... لأنهم يريدون أساسًا قتل المنهج, وليس قتل الشخص, من جهة أخرى».(50) وقامت الدولة بتحويل الأمر إلى معتمد المعارف (كامل القصاب), بدلاً من الشرطة, مما يعني أن الحكومة تعمدت نقل الأمر من السياق الجنائي, إلى السياق العلمي, ولهذا دلالة عميقة, لأنها سابقة مهمة سجلتها الدولة على يد مؤسسها.(51) ولا مانع أن يتولى ممثلها (يوسف ياسين) الرد نيابة عن المجتمع, في محاولة من الدولة لأخذ زمام المبادرة, وإثبات ومكانتها, وقدرتها على إقامة التوازنات بين فئات المجتمع.(52)

ومن جانب آخر, كان رد الدولة على المعترضين, مباشرًا وواضحًا: «هذه أفكار كتبت بالقلم, فإذا أردتم أن تحاربوه فحاربوه بالقلم نفسه.. أما نحن فلا يمكن أن نقتل الأفكار الشابة الجديدة, والنشاط الذي يجب أن ينمو في مملكتنا الحديثة».(53) ويرى الدكتور الغذامي: «أن هذه الصيغة مكملة لشروط تأسيس الدولة».(54)

وتكرر الأمر, عند حماية أحمد السباعي من الاعتداء والإيذاء, بعدما حاول إيجاد مسرح, وإن كان هدفه لم يتحقق.(55)

وفهم الأدباء من جهتهم أن من واجبهم احترام الثقة, والالتزام بالحرية المتلازمة مع المسئولية, وأهمية ضبط الإيقاع بين الأمرين, لأن الدولة تشجع الأدباء وتحميهم, وفي الوقت ذاته لا تسمح بما يخدش ثوابت الوطن واستقراره, وقد وعى الأدباء هذا المنهج تماما, يقول العواد: «(إن الكاتب) غير مطالب بالإرضاء, وإلى جانب ذلك نسجل أيضًا أنه ليس ملزما بالإسخاط».(56)

وطال هامش الحرية, تلك المساحة الواسعة, التي تسمح بتنشيط الساحة الأدبية والثقافية, بين آونة وأخرى, بما عرف باسم (المعارك الأدبية), وهي معارك يفسح لها المجال الكافي لتقديم ما يفيد, من المعلومات والأفكار والآراء, وتترك حتى تبلغ المدى الذي يستدعي تدخل السلطة أحيانًا, لتهدئة النفوس, والعودة بالجميع إلى الموضوعية المفيدة, التي غالبًا ما تضيع, عندما يحتدم الجدل, أو يحدث نوع من التحديات والتعريضات الشخصية, أو إثارة النعرات, والتوترات المصاحبة لكل ذلك.

والمعارك الأدبية بهذه الصفة, تدخل في دائرة الاستفادة من (إظهار القيم المتعارضة للمشاركين), على أساس أن المناقشة العلمية تقتضي إظهار القيم المتعارضة.(57) لأن إظهارها من أهم مصادر بلورة الرؤى الصحيحة, عن طريق توسيع دائرة المعلومات.

ومسألة الرقيب الحكومي عمومًا, إنما جاءت أساسًا لتحل مشكلة موجودة, وهي مشكلة الرقيب الاجتماعي, أي أن الحكومة أخذت زمام الأمر لحماية الأدب والأدباء, في المقام الأول, وفي التفاصيل, لتضبط العلاقة الجوهرية التي نظرت إلى الأدب منسوبًا إلى الوطن, ومعبرًا عنه, ومتحدثًا باسمه.

في هذا السياق, تأخذ الرقابة الحكومية معنى آخر, غير المعنى الشائع؛ فالرقيب الحكومي قابل للاحتجاج عليه, ومداورته, كما جرى في الحكاية التي أفرد لها الدكتور عبدالله الغذامي عدة صفحات من كتاب (حكاية الحداثة), عن ذهابه مع كل من عبدالفتاح أبو مدين وأبو تراب الظاهري, لطلب إجازة نشر كتاب الخطيئة والتكفير, الزيارة التي انتهت بفسح الكتاب.(58)

ومن الواضح أن هذه النتيجة المتوقعة, بدليل ذهابهم مباشرة إلى موظف الرقابة, ربما لا تحتمل طابع السخرية, الذي غلف عبارات الكاتب, ولا تستدعي أيضًا تهويل الأمر, من أنه زار عبدالله عبدالجبار في منزله, وعندما حدثه عن الكتاب أبدى له توجسه ونصحه بالمحافظة عليه. يقول الغذامي: «ولما قلت له أن لدي منه نسخا في عنيزة وفي أمريكا عند أناس موثوقين, اطمأن وابتسم ابتسامة عميقة وذكية».(59)

بل إن الحكاية بمجملها, تدل أن مهمة الرقابة الحكومية حماية الأديب أو الكاتب في المقام الأول, وكتاب (حكاية الحداثة) يمتلئ بالشكوى من الرقابة الاجتماعية, التي لا شك أنها في تلك الفترة, ولأسباب معروفة, كانت على أشدها.

ومن أهم ميزات الرقيب الحكومي هنا, أنه يخفف غلواء الرقابة الاجتماعية, التي لا يؤمن أن تكون منفلتة, لأن آحاد الناس يدخلون في غمارها, وبالتالي لا يمكن مداورتها, أو محاورتها, فضلا عن السخرية منها.

خاتمة

إذن منذ البداية, ولكل هذه الأسباب, وتأسيسًا على تلك الشواهد, وأمثالها, صارت بوصلة الأديب والمثقف والكاتب السعودي, في العموم, هي ذاتها بوصلة الوطن المتفق عليه, وصار الأدب والكتابة برؤاها وأفكارها, بمثابة النواة التي تتمحور حولها آفاق الوطن ورؤاه, فكل تقدم حدث, أو قرار صائب اتخذ, كان الأدب بمفهومه الواسع, قد دعا إليه, وبشّر به, وكافح في سبيله, ومهد له.

وفي المقابل, جرى الحرص على ضبط الإيقاع, أو على وجه الدقة, توفير ذلك القدر المحسوب من الحرية الأدبية والفكرية, الذي يسمح بالحفاظ على جوهرية العلاقة, وتجنب انفراط عقدها, بما أنها ترسخت بصفتها هدفًا وطنيًا عامًا, وأي واقعة أو قول خارج هذا الإطار العام, ربما تظل مجرد تفاصيل, كما مر بنا.

ولا يمنع في الختام, من الإشارة إلى أن الاهتمام الشديد بقضايا الوطن, غالبًا ما يغيب مسألة التركيز على القيم الفنية والجمالية, بمعنى أن الإحساس العالي بالانتماء الوطني, والارتباط بهموم وقضايا الشأن المحلي المتسعة, مضافًا إليها تغييب العناية بالفلسفة والفنون عموما, للنظر إليها بازدراء في الخطاب الاجتماعي السائد,كل ذلك ترك تأثيره البالغ في الجوانب الفنية والجمالية في الأدب السعودي, إذ تتقدم الأسئلة الثقافية والفكرية, في المجمل, على الأسئلة الفنية والجمالية, وهذا الجانب حري ببحث مستقل, لأن الغربة والمعارضة الحادة, قد تؤدي إلى تجليات إبداعية متميزة, ولكن تخلف ذواتًا تعاني على مستوى الإحساس بقيمة الانتماء الوطني, فيبدو أحيانًا وكأن الأمرين متعارضان.

والسؤال الذي يمكن أن يبرز حاليًا, وتحتاج الإجابة عليه إلى بحث آخر: هو إلى أين ستتجه هذه العلاقة مستقبلًا, مع تزايد المتغيرات الداخلية والخارجية, وحالة التأجيل والتردد, التي تقابل بها محليا على كافة المستويات؟ المصادر والمراجع:

(1) ميشيل فوكو: يجب الدفاع عن المجتمع, ترجمة وتقديم وتعليق: د.الزواوي بغورة, بيروت: دار الطليعة, 2003م, ص 54.

(2) نظرت الدراسة في عدد من الكتب المتعلقة بمثل هذا الموضوع, ومن أهمها في هذا الجانب كتاب: جيل دلوز: المعرفة والسلطة, مدخل لقراءة فوكو, ترجمة: سالم يفوت, بيروت: المركز الثقافي العربي, 1987م.

(3) كليفورد غيرتز: الثورة الإدماجية, المشاعر الوشائجية والسياسات المدنية في الدول الحديثة/ التعدد وتحديات الاختلاف, المجتمعات المنقسمة وكيف تستقر, ترجمة: سعيد الأيوبي, دار الساقي, بيروت 1997م, ص 65. عن/ علي الشدوي: الحداثة والمجتمع السعودي, المركز الثقافي العربي, ونادي الرياض الأدبي, 2009م, ص 62.

(4) من العبارات المأثورة التي كان يكررها الملك عبدالعزيز في أكثر من مناسبة, عبارة: «الحزم أبا اللزم أبا الظفرات, والترك أبا الفرك أبا الحسرات». وأنقلها هنا عن طريق الرواية الشفهية.

(5) البيت من قصيدة للشاعر محمد بن عبدالله بن عثيمين, في مدح الملك عبدالعزيز آل سعود.

(6) عن/ بيير زيما: النقد الاجتماعي, ترجمة: عايدة لطفي, القاهرة: دار الفكر للدراسات, 1991م, ص 39.

(7) تالكوت بارسونز, عن: السابق, ص 20.

(8) خصص الأدباء في مؤتمرهم الأول الذي عقد في جامعة الملك عبدالعزيز - من يوم 1 إلى 5 ربيع الأول عام 1394هـ - عددا من بحوثهم عن الملك عبدالعزيز, مثل:

- جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله في مرآة الشعر, لإبراهيم خليل علاف.

- والملك عبدالعزيز في مرآة الشعر, لعبدالقدوس الأنصاري.

(بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين, مطبوعات جامعة الملك عبدالعزيز, ص 505 وما بعدها).

(9) جرير (سيف الدين عاشور), صحيفة صوت الحجاز, الاثنين 27 ذو القعدة 1350هـ, 4 إبريل 1932م, ص4.

(10) عبدالفتاح أبو علية: الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز, دار المريخ, الرياض 1997م. ص 164. وكما حسم الملك عبدالعزيز معركة السبلة, أنهى ثورة ابن رفادة, وتمرد الإدريسي, بالدرجة ذاتها من الحزم والكفاءة.

(11) محمد سعيد عبدالمقصود وعبدالله بلخير: وحي الصحراء, جدة: تهامة ط2, ص 121.

(12) ودلالة أهمية التلازم بين الأمرين, تبرز من رسوخها في الذاكرة الشعبية, والأهازيج الشعبية, مثل أهزوجة مهرجان الجنادرية التي تقول: «عبدالعزيز موحد بلاد وقلوب».

(13) مانويل كانت: نظام السياسة الوضعية, باريس 1929م, ج3, ص 364. عن: علي أومليل: في التراث والتجاوز, بيروت: المركز الثقافي العربي, 1990م, ص 98.

(14) التراث والتجاوز, مرجع سابق, ص 98.

(15) د.عبدالله العروي, من ديوان السياسة, بيروت: المركز الثقافي العربي, 2009, ص42.

(16) السابق, ص 93.

(17) جون كينيث جالبريت: تشريح السلطة, ترجمة: حكيم عباس, دمشق: دار المستقبل, 1994م, ص ص 18/19. عن: الحداثة والمجتمع السعودي, مرجع سابق, ص 64.

(18) السابق, ص ص 65/66.

(19) والشدوي هنا يعلق على ما سماه الغذامي: (حداثة النصف خطوة). في كتابه: حكاية الحداثة, المركز الثقافي العربي, بيروت, 2004م, ص 47. يقول الشدوي: «إن وصف خطوة بنصفها, بساطة متناهية, ترضي عاداتنا المنمقة في التعبير والتفكير». الحداثة والمجتمع السعودي, ص 93.

(20) ربط الدكتور عبدالله الغذامي هذه الحادثة - التي أوردها أمين الريحاني في كتابه عن الملك عبدالعزيز (ص 528) - بمشروع التحديث في المملكة, حكاية الحداثة, ص 43. و«في مثل هذه المسألة بالذات؛ أي النجاح في الموازنة بين الأصالة والمعاصرة في الواقع المحلي, المرجع والمقياس هو الملك عبدالعزيز». وهنا يتطابق الخطاب التاريخي مع الخطاب الأدبي. ينظر: سحمي الهاجري: جدلية المتن والتشكيل, الطفرة الروائية في السعودية, نادي حائل الأدبي, بالنشر المشترك مع دار الانتشار العربي ببيروت, 2009م, ص 99.

(21) محمد حسن عواد: من وحي الحياة العامة. القاهرة: مطبعة دار النصر بالفجالة, د ت, ص 103. ومن الواضح أن الأدباء التقطوا إشارة البدء منذ وقت مبكر, فهذا عبدالقدوس الأنصاري, مثلاً, يكتب على غلاف رواية (التوأمان), دمشق: مطبعة القيمرية, 1349هـ/ 1930م, عبارة (أول رواية تصدر في الحجاز), مما يعني أنه يستدعي روايات أخرى تالية, تصاحب المسيرة الوطنية التي بدأت آنذاك.

(22) محمد حسن عواد: خواطر مصرحة, الأعمال الكاملة, دار الجيل للطباعة بمصر, 1401هـ, 1981م, ص61.

(23) السابق, المقدمة ص30.

(24) السابق, ص34. للمزيد, ينظر: سحمي الهاجري: سجال الخطابات, نادي الأحساء الأدبي, 2009م, ص 29.

(25) محمد سعيد عبدالمقصود: وحي الصحراء, مرجع سابق, المقدمة, ص 64. وفي المجمل الأعم, استمر مثل هذا الربط فيما بعد, وصارت عبارات مثل: «عني جلالته عناية كبيرة بأمور الثقافة والتعليم والفكر, كما عني بالأدب والأدباء». من المسلمات التي لا يكاد يخلو منها كتاب يتعرض لتلك الفترة. انظر العبارة السابقة مثلاً عند: د.غازي زين عوض الله: الصحافة الأدبية في المملكة العربية السعودية, جدة: مكتبة المصباح, 1409هـ, 1989م, ص 23. وقبل ذلك, نجد اسم الأمير فيصل (الملك فيما بعد), نائب الملك في الحجاز, يتردد في مناسبات عدة, لها دلالاتها في هذا السياق؛ منها أن عبدالرؤوف الصبان حمل رواية محمد علي مغربي (البعث) إلى الأمير فيصل, الذي كتب خطابا للمغربي, يتمنى له فيه التقدم في عالم الأدب. (محمد علي مغربي, أعلام الحجاز ج1 ص 106), ورواية (البعث) استشرفت مستقبل المملكة في تلك الأيام.

(26) عبدالحميد عنبر: وحي الصحراء, مرجع سابق, ص 376.

(27) صحيفة البلاد, 11 جمادى الثانية 1400هـ, عن عبدالحميد مشخص, ومحمد سعيد الباعشن: العواد قمة وموقف، القاهرة: دار الجيل للطباعة, 1400هـ, 1980م, ص73.

(28) أحمد أبو بكر إبراهيم: الأدب الحجازي في النهضة الحديثة, القاهرة: مكتبة نهضة مصر, 1948هـ. ص43.

(29) عبدالله سلامة الجهني وعبدالرحمن تونسي: طلبة البعثات السعودية في المرآة, ص 24. مطبعة دار التأليف بمصر 1374هـ 1954م, ص 24.

(30) الأعداد (306, 307, 308), من صحيفة صوت الحجاز. عن معجم المصادر الصحفية, د. منصور الحازمي, الرياض: دار المفردات, 1426هـ، 2005م, ص 94.

(31) سجال الخطابات, مرجع سابق, ص 28 وما بعدها.

(32) صحيفة صوت الحجاز, 1354هـ 1935م. عن معجم المصادر الصحفية, مرجع سابق, ص 415.

(33) المنهل, الجزء الخامس, السنة الأولى, ربيع الثاني, 1356هـ, ص 14. للمزيد: سجال الخطابات, مرجع سابق, ص 163.

(34) إبراهيم هاشم فلالي: المرصاد, ط 3, النادي الأدبي بالرياض, 1400هـ, 1980م, ص20.

(35) حكاية الحداثة, مرجع سابق, ص.5.

(36) مقدمة كتاب: نفثات من أقلام الشباب الحجازي, 1935م. ص10. ويلاحظ أن المكانة التي حظي بها الأدب والأدباء, جعلت الشباب تحديدًا يقبلون على الأدب إقبالًا شديدًا, طيلة تلك المرحلة, إلى درجة جعلت بعض الكتاب يشتكون من دخول غير الموهوبين ساحة الأدب وتكالبهم على الشهرة. (محمد حسن فقي, وحي الصحراء, مرجع سابق, ص 442). ومن جانب آخر, يقول الأستاذ محمد حسين هيكل في مقدمة هذا الكتاب ذاته (ص21): «أول ما يلفت نظر المطلع على هذه المجموعة حداثة الكتاب والشعراء الذين اختيرت لهم, فكثيرون منهم لم يبلغوا الثلاثين, ولم يتجاوز الأربعين منهم أحد, والكثرة الكبرى تقع بين الثلاثين والأربعين». أي أن أغلبهم من أبناء هذه الحالة الوحدوية الجديدة, التي أنشأها الملك عبدالعزيز.

(37) عبدالله عبدالجبار: التيارات الأدبية في قلب الجزيرة العربية, القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية, 1379هـ/ 1959م, ص231.

(38) الأدب الحجازي في النهضة الحديثة, مرجع سابق, ص 43.

(39) أدب الحجاز, أو صفحة فكرية من أدب الناشئة الحجازية شعرًا ونثرًا, محمد سرور الصبان (قام بدور المحرر), المطبعة العربية بمصر لصاحبها خير الدين الزركلي 1344هـ, 1925م, ص ص 3/4.

(40) أحمد محمد جمال: ماذا في الحجاز, القاهرة: مطبعة إحياء الكتب, عيسى البابي الحلبي 1364هـ, 1944م, ص 6.

(41) إبراهيم هاشم فلالي: المرصاد, مرجع سابق, ص20.

(42) ملحق كتاب (العذراء السجينة) لعبدالسلام هاشم حافظ, ص10. عن كتاب: من تاريخنا المعاصر: د محمد عبدالمنعم خفاجي. القاهرة: دار العهد الجديد للطباعة, 1377هـ, 1958م, ص51.

(43) من بحوث المؤتمر الأول للأدباء السعوديين, مرجع سابق, عن أثر ارتباط الأدب والصحافة:

- الأدب والصحافة, لعبدالله عريف, ص 697.

- والأدب في الصحافة السعودية، لعثمان حافظ, ص741.

(44) الحداثة والمجتمع السعودي, مرجع سابق, ص162. والكاتب يعلق هنا على ما أوردته في كتابي: القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية, (نادي الرياض الأدبي, 1988م), عن الارتباط بين الصحافة والقصة, والسياق الذي حدث فيه ذلك الارتباط.

(45) ينظر: سجال الخطابات, مرجع سابق, ص19 وما بعدها. ويأتي في السياق ذاته, ما كتبه محمد حسن كتبي في صحيفة (صوت الحجاز) بعنوان: (أيها الأدباء). ودعاهم إلى « أن يستوحوا طبيعة بلادهم ودينهم وبيئتهم وأن يوسعوا مدلول الأدب ليشمل الاقتصاد والكتابة عن الطبقات الفقيرة». (معجم المصادر الصحفية, ص292).

(46) جيرار ليكرك: سوسيولوجيا المثقفين, ترجمة: جورج كتورة, بيروت: دار الكتاب الجديد, 2007م, ص19.

(47) للمزيد, ينظر: سجال الخطابات, مرجع سابق, ص19 وما بعدها.

(48) الحداثة والمجتمع السعودي, مرجع سابق, ص184.

(49) السابق, ص164.

(50) سجال الخطابات, مرجع سابق, ص ص, 62/63.

(51) السابق, ص 63.

(52) السابق, الصفحة ذاتها.

(53) العواد قمة وموقف, مرجع سابق, ص 49.

(54) حكاية الحداثة, مرجع سابق, ص 58.

(55) أحمد السباعي: أيامي, جدة: تهامة 1405هـ/1985م, ص 20, وما بعدها.

(56) من وحي الحياة العامة, مرجع سابق, ص 11.

(57) النقد الاجتماعي, مرجع سابق, ص 38.

(58) حكاية الحداثة, مرجع سابق, ص 182 وما بعدها.

(59) السابق, ص 183.
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 1:57 مساءً
شوهد 251 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 7.25/10 (3 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية