ملف العدد العدد 179 / بوصفها المنبت الأول للذائقة الأدبية : الأدب في مناهج التعليم العام
العدد 179 / بوصفها المنبت الأول للذائقة الأدبية : الأدب في مناهج التعليم العام
بقلم : منصور صالح اليوسف
اعتنت التربية، قديمًا وحديثًا، بتنمية الحاسة الجمالية التي تساعد الطلاب على تذوق الأدب وتقويمه والاستمتاع به.
وفي تدريس مادة الأدب في التعليم العام نجد التذوق الأدبي، يحتل مكانة خاصة على مختلف المستويات التعليمية. وفي أهداف تدريس مادة الأدب في التعليم العام في المملكة العربية السعودية أتى التذوق الأدبي في مقدمة هذه الأهداف، ولكن السؤال: هل أتت المناهج وتخطيطها، والمقررات ومفرداتها لتجسد هذا الهدف؟
في المناهج القديمة للمرحلة الابتدائية والمتوسطة، الجواب، لا. وفي الجديدة، بدءًا من العام الدراسي 1429هـ فيما يخص الابتدائي، وعام 1428هـ فيما يخص المتوسط، فالجواب: تحقق إلا قليلاً. أما فيما يخص المرحلة الثانوية فالجواب، صعب تحقيق ذلك.
بيان ذلك، أن مقرر الابتدائي والمتوسط قد خضع لعملية التقويم، التي تأخرت كثيرًا، إذ كانت تتبنى طريقة الإفرادية، كل مادة منفصلة، دون استيعاب للغة وإنتاجها ومفرداتها (الطريقة الكلية أو التكاملية) فنتج عنه السلبيات الآتية:
- خلو الدرس اللغوي من تدريب الطلاب على مهارات الاستماع والتحدث، القراءة والكتابة واستراتيجياتها وطرقها.
- قلة الفرص المتاحة أمام الطالب للتأمل والاستنتاج والتذوق، فضلاً عن ممارسة ما استقبله في المخاطبة والكتابة.
- انقطاع الصلة بين الأنماط التي يتعرض لها الطالب، والأنماط التي يكلف بها، أو يرغبها هو - بإنتاجها محادثة وكتابة، إذ يتعرض الطالب لنمطين نصين، المقالة المعلوماتية، والشعر. ونادرًا ما يتعرض لنمط نص مغاير آخر.
فجاء المقرر الجديد محاولاً تجاوز هذه السلبيات ومقتربًا من تحقيق الأهداف الخاصة بالمادة، فأتى الكتاب معتمدًا على:
- المهارة اللغوية وابتعد عن (العلوم اللغوية) فابتعد المقرر عن الاعتماد على تقديم معلومات عن القواعد والإملاء وغيرها إلى الاعتماد على تقديم مهارات الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة، وأتى اسم الكتاب (لغتي) وهو قائم على ثلاثة محاور تتناول النص المختار (الفهم والاستيعاب، اللغة والتراكيب، والتذوق الجمالي). بيد أن هناك بعض الملحوظات منها:
- التصرف غير الحميد في النص أحيانًا؛ لأنه يؤدي إلى تزييف المعنى أو تشويه اللفظ، أو فقدان بلاغة التعبير بحجة التبسيط وقرب النص من المستوى الفكري للطالب وتجربته الجمالية. والتبسيط ضروري وفقًا للمرحلة العمرية والذهنية للطالب، ولكن يجب عدم المساس بالخصائص الأصلية والمؤثرة في النص.
- ظلت كثير من النصوص وتطبيقاتها بعيدة عن واقع الطالب وحاجاته المتنوعة.
- العناية بإدراج نصوص تنمي الحس الإنساني والوطني، ولكن بعض هذه النصوص متواضعة فنيًا، ولا تقدم شيئًا يذكر لدعم المهارة الأسلوبية واللغوية للطالب.
- كثير من المعلمين يفتقدون للحس الأدبي والتذوق الجمالي، فهم بحاجة إلى قراءات متعددة في هذا الباب، وانتظامهم في دورات خاصة تنمي لديهم طرق التواصل والمهارة في العرض والحوار.
أما في المرحلة الثانوية فلم يتغير المقرر؛ لذا فهو بحاجة ماسة إلى التقويم والتطوير، وهذه ظاهرة غالبة في معظم مناهج الأدب في العالم العربي.
ويمكن رصد الملحوظات على منهج مادة الأدب في هذه المرحلة لدينا في الأمور الآتية:
- يعتمد المنهج في تدريس الأدب على مدرسة واحد منذ زمن قديم، وهي مدرسة (دراسة العصور)؛ إذ يبدأ من العصر الجاهلي حتى الحديث. فهو يبدأ بالعصر الجاهلي الذي يفوق قدرات الطالب وذائقته. وواضعو هذا المنهج اعتمدوا هذه المدرسة على فرضية أن الطالب قد أتقن كثيرًا من المهارات التي درسها في المراحل التي قبلها، ومنها، القدرة على إدراك مواطن الجمال في النص وتذوقه على المستوى الذي يلائم نموه، والقدرة على التقويم والنقد والتعبير الوظيفي والإبداعي. ولكن الواقع غير ذلك، لذا كان الأولى:
- القيام بدراسة للحد الأدنى للمهارات التي اكتسبها الطالب قبل البدء في وضع المنهج، فهذا كفيل بأن يحدد اهتمامات الطلاب وميولهم ومستواهم اللغوي والأدبي. ومن نتائج الدراسة تتكون الخطوط التي يقوم عليها المنهج.
- البدء من واقع الطالب، العصر الحديث، ثم الصعود به إلى العصر الجاهلي.
- أو اعتماد مدرسة (انتقاء النصوص) من التراث والمعاصر، تناسب ما توصل إليه الطلاب.
- المنهج قائم على التجافي عن تأكيد التراكيب والمعاني والمفردات، وانفصال النص عن كثير من مفردات اللغة الأخرى مما يدل على أن مصممي المنهج ليس لديهم رؤية متكاملة وواضحة للمهارات التي يشتمل عليها التذوق الأدبي: عقلية كانت أو وجدانية أو جمالية.
- من المعضلات فصل مادة البلاغة والنقد عن الأدب في هذه المرحلة، وهذه المادة (البلاغة والنقد) تبدأ بالقسم الأصعب (علم المعاني) في الثانية الثانوية (بنين)!!. لذا من الضروري تبسيط مفاهيم هذه المادة وإيجاد وسيلة منهجية تحقق التكامل بين فروع الأدب المختلفة، مع الانتباه إلى عدم ذوبان هذه المادة في مادتي النحو والأدب...
- النظر إلى الأدب بمفهومه الخاص وبين الآفاق الفكرية في التاريخ والاجتماع وغيرهما من ميادين المعرفة الأخرى.
وأخيرًا: إذا لم يتم إعادة هذا المنهج ثم تطويره فأرى أنه غير قادر على تحقيق معظم الأهداف التي تروم الوزارة تحقيقها في هذا المنهج، وتصبح هذه الأهداف مجرد حلية منهجية على الورق.
المعلم (حجر الزاوية):
- واقع بعض معلمي الأدب أقل من المرجو، وإعدادهم متواضع، ودافعيتهم للتطوير ضعيفة.
- مهما كانت جودة المنهج المدرسي فإن نجاحه من عدمه متوقف على القدرات الجيدة للمعلم.
- صحيح أن التذوق الأدبي موهبة في المقام الأول، فهو أمر فطري، بيد أنه من الممكن تنميته؛ لذا ينبغي على المعلم بذل كثير من الجهد، وعلى المسؤولين عنه (المشرف التربوي وغيره) دعمه وتشجيعه، ووضع برامج خاصة بذلك.
- إيجاد كتاب للمعلم يرشده ويرتقي به، فيه تطبيقات متعددة على النصوص المقررة ومراجع ضرورية...
- مواصلة ممارسة عملية التقويم لمقرر الأدب وللمعلم، واتباع أفضل الوسائل والأساليب لذلك.
- إيجاد وسائل لاكتشاف الموهوبين أدبيًا، وتنظيم برامج خاصة للمعلمين في كيفية اكتشاف هؤلاء ودعمهم.
- تفعيل النشاط الصفي وغير الصفي والمكتبة المدرسية في تفعيل المهارات التي درسها الطالب في الصف.
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 1:56 مساءً