خريطة الموقع
الخميس 9 سبتمبر 2010م

العدد 185/ سماحة المفتي في حوار مع المعرفة: دور المناهج التعليمية في غرس مفهوم الرحمة في نفوس الناشئين والطلاب في غاية ال  «^»  العدد 185/ رحمة.. حين كان لي من اسمي نصيب   «^»  العدد 185/ الرحمة في المجتمعات الغربية المعاصرة   «^»  العدد 185/ الرحمة.. ياسمين   «^»  العدد 185/ التربية على الرحمة... المستدامة  «^»  العدد 185/ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»   «^»  العدد 185/ من مفاهيم الرحمة في القرآن الكريم : رحمة الهداية .. رحمة العلم.. رحمة التمكين..   «^»  العدد 185/ لغة حانية. . الرحمن الرحيم   «^»  العدد 185/ تبارك ربنا الملك الحق.. الرحمن الرحيم  «^»  العدد 185/ رمضان . . شهر القرآن: )ورحمتي وسعت كل شيء( جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
أنـا والفشـل
العدد 179 / شاكر النابلسي: المدارس والجامعات لا تخلق الشعراء والكتاب والفنانين العظماء

العدد 179 / شاكر النابلسي: المدارس والجامعات لا تخلق الشعراء والكتاب والفنانين العظماء
العدد 179 / شاكر النابلسي: المدارس والجامعات لا تخلق الشعراء والكتاب والفنانين العظماء
بقلم : شاكر النابلسي


كلنا تعرضنا للفشل..

والحياة من دون فشل يظل في طعمها شيء من الرتابة و«المزازة».

الفشل هو الذي يولِّد النجاح. ومن التجارب الفاشلة في تاريخ البشرية خرجت أبرز وأهم الإنجازات والإبداعات.

الفشل يدفعك إلى التجريب مرة ومرتين وثلاث مرات.. .إلخ، حتى تنجح.

إذن، فالفشل هو الباعث على مزيد من التجريب، والجسارة.

والفشل هو الصقل للشخصية.

من تعرضوا للفشل في الحياة، كانوا أكثر صلابة وعزيمة وقدرة على ركوب الأخطار، والظفر بالنجاح.

فلولا الفشل ما كان النجاح.

ولكن الملاحظ، أن الإنسان لا يعرف دائمًا لماذا فشل إلا بعد مرور وقت طويل. أما أسباب نجاحه فيعرفها ربما في حينه، أو بعد وقت قصير.

لذا، فالفشل يدفعك إلى البحث، وإلى التحليل، وإلى الاستنتاج، وإلى معرفة ما هو مخفي. ويطرح ألف سؤال وسؤال.

فالحقيقة دائمًا تختبئ تحت إبط السؤال. وهذا ما دفعني عام 2006 إلى نشر كتابي (لماذا؟: أسئلة العرب مطلع الألفية الثالثة) طرحت فيه أكثر من عشرين سؤالاً في السياسة، والتغيير، والثقافة، والاقتصاد، وعلاقتنا بالعالم لمعرفة الحقيقة. وصدَّرتُه بكلمة الفيلسوف الألماني نيتشه الذي قال:

«من أراد أن يرتاح فليعتقد، ومن أراد أن يكون من حواري الحقيقة فليسأل».

وقد عرفتُ حقائق كثيرة من خلال أسئلتي الكثيرة.

كنتُ فاشلاً في المدرسة

في المدرسة الإعدادية والثانوية، كنتُ طالبًا فاشلاً وكارهًا للمدرسة والمدرسين. ربما كان ذلك يعود إلى كراهيتي وعدم إقبالي على دراسة الرياضيات والفيزياء والكيمياء وقواعد اللغة العربية. وإقبالي بالمقابل على دراسة التاريخ والجغرافيا والأدب، وحيث لم تكن المرحلة الثانوية قسمين: علمي وأدبي، كما هي الآن.

لقد حاولت بشتى الطرق أن أفهم وأن أنجح في مواد الرياضيات والفيزياء خاصةً، ولكن عبثًا. رغم أني كنت ألجأ إلى الدروس الخصوصية، وأعقد صداقات كاذبة مع الطلبة المتفوقين في هذه المواد. ولكن لا سبيل إلى النجاح مجرد النجاح في أقل درجاته. لذا، كانت نتائجي المدرسية غير سارة، ومحل نقمة على نفسي من نفسي.

كراهية قواعد اللغة العربية

ومن المواد الدراسية التي كنت أكرهها، ولا أحفظها، ولا أنجح في امتحاناتها مادة قواعد اللغة العربية، ونحوها، وصرفها. ويبدو أنني كنت كارهًا وغير قابل لحفظ القواعد من أي صنف، سواءً قواعد اللغة، أو قواعد الرياضيات، والفيزياء. ثم اكتشفت فيما بعد أنني أكره قواعد الحياة اليومية عامة، كقواعد سواقة السيارة، وقواعد السير، وقواعد الزواج، وقواعد العمل، مما أوقعني في مشاكل كثيرة.

نعم، كنت أكره القواعد.. كل القواعد العلمية والنحوية والصرفية.

كنت أفضِّلُ دائمًا أن أسير حرًا ووحدي، دون الالتزام باتجاه واحد. لذا، لم أنتسب إلى حزب سياسي في حياتي، ولم أتبع طائفة ما، أو أتشيّع لفئة ما، رغم ما كان يملأ الأردن من أحزاب قومية ودينية كثيرة. وقد حاول عدد من أصدقائي في مختلف الأحزاب، استمالتي لحزب ما، لكنني كنت مُحرنًا رافضًا.

كنتُ أحبُ أن أكون كالريح من أية جهة تعجبني وترضيني أهبُّ هبوبًا عاصفًا أو نسيمًا.

من اليمين أو من اليسار،

من الشرق أو من الغرب.

ولعل هذا سرَّ تغيري، وتبدلي الدائم.

فالحجر هو الذي لا يتغير. بل إن الحجر مع مرور الزمن يتغيّر، ويتآكل وتعلوه الطحالب، بفضل تقلبات الطقس والزمان، وإذا رميناه في النهر أو البحر، تبدَّل شكله وتغيّر.

إجادة اللغة ليس بحفظ قواعدها

كان كُرهي وعدم إجادتي لحفظ قواعد اللغة العربية في نحوها وصرفها سببًا في ارتكابي أخطاء لغوية كثيرة وحمقاء في بداية حياتي، لا سيما أن قراءاتي في تلك الفترة كانت محدودة، وأن أهلي وأقراني كانوا يتحدثون العامية الدارجة.

كنت أعتبر أن إجادة اللغة كتابة وقراءة وتحدثًا لا تتأتى من حفظ قواعدها، ونحوها وصرفها، ولكن من ممارستها والقراءة فيها، والتأمل في كلماتها وتركيباتها. وأن العرب لم تكن تُلحن في اللغة قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي (718 - 789م) واضع قواعد صرف ونحو اللغة، وإنما تعلَّمت اللغة الصحيحة والسليمة بالممارسة والتربية.

وقادني فشلي في امتحانات القواعد العربية إلى تكثيف قراءاتي لكي أكتشف اللغة الصحيحة والسليمة من واقع ما أقرأ، وما أسمع. وقد كان ذلك. وأجدت اللغة بعد ذلك إلى حد كبير، دون أن أعلم القواعد اللغوية والنحوية الدقيقة لتركيب الجملة. وكان اهتمامي الأكبر فيما تقوله الجملة، لا في كيف تقوله الجملة. وأن مهمة الكاتب أن يُبدع، وأن يخلق الأفكار الجديدة والشجاعة، لا أن يتبع قواعد اللغة فقط. والشعراء أكثر من يخطئون في اللغة حتى فازوا بحكم «يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره». وكل كتاب لا يخلو من أخطاء لغوية واضحة ومخفية. بل إن بعض الكتب الدينية (المقدسة) فيها مثل هذه الأخطاء التي داورها وحاورها اللغويون، ووجدوا لها مخارج جديدة واعتبروها في النهاية صحيحة. وها أنا ذا، قد كتبت حتى الآن أكثر من خمسين كتابًا في النقد الأدبي، ونقد التاريخ والسياسة والثقافة، دون أن أقع في أخطاء لغوية كثيرة. ولكن من لديه القدرة والقابلية والقناعة لحفظ القواعد فعليه أن يفعل تجنبًا لمطبات كثيرة وقعت أنا فيها.

أهمية الوالدين المتسامحين

لم تكن نتائجي المخيّبة للآمال سببًا في نقمة والديَّ عليَّ. بل كان أبي - رحمه الله - مسرورًا من انكبابي على قراءة الأدب والتاريخ. ولم تكن أمي - رحمها الله - تتمنى كباقي الأمهات أن أكون طبيبًا أو مهندسًا، وربما كانت تهجس ذلك في سرها. كذلك، لم يكن أبي يتمنّى ذلك، ولم أسمع منهما ذلك. وكان هذا يخفف الضيق على صدري، ويبعث الراحة في نفسي، ويزيل عني الكثير من شقاء، وعذاب الفشل. وكم كانت فرحة أبي عظيمة عندما استمع إليَّ لأول مرة، وأنا أتحدث في ندوة أدبية من إذاعة عمَّان الأردنية، ولم أتجاوز في ذلك الوقت السابعة عشرة من عمري. وكانت الندوة على ما أذكر حول الجزء الأول «جوستين» من «رباعية الإسكندرية» الروائية للكاتب الإنجليزي للورانس داريل (1912-1990).

أقرأ خلسة طه حسين

كنتُ أهرب من قراءة المقررات الدراسية في أيام الامتحانات العصيبة، إلى المطالعات الحرة، متحديًا الفشل والسقوط في الامتحان الذي لم أكن أُكرم فيه أو أُهان. فكنتُ في المرحلة الإعدادية أقرأ طه حسين خلسة. وأضع كتبه تحت وسادتي. وأحفظ الكثير من صفحات كتبه. وكنت مغرمًا به أشد الغرام. وعلَّقت بعد ذلك صورته فوق سريري، وكنت أقول: هذا أبي. وكنت أشعر نحو طه حسين بأبوة حقيقية وأتمنى أن ألقاه، وأرتمي في أحضانه. ورغم وجودي في مصر طيلة أكثر من عشر سنوات للدراسة الثانوية والجامعية، إلا أنني لم أسع إلى لقائه إلى أن رحل عام 1973. وربما كان ذلك حتى لا تفسد صورته الحقيقية الواقعية الصورة القدسية التي رسمتها في خيالي. وكان أثر طه حسين عليَّ كبيرًا. وما زلتُ حتى الآن، أحاول الخروج من عباءته، ولكن ما زالت رائحته تنبعث من خلال سطور كتاباتي.

بدء اكتشاف سر الفشل

وفي الجامعة (عين شمس) كنت أضيق بالمقررات، ولا أقرأ فيها إلا القليل. وأقرأ كثيرًا خارج المنهاج وما هو غير مطلوب في الامتحان. وكنت أتغيب عن الجامعة كثيرًا، وأذهب إلى سور الأزبكية بحثًا عن الكتب الرخيصة. وكنت أفضل قراءة ما أحب وأشتهي في حديقة عامة، على أن أندسَّ بين الطلبة في مدرج الجامعة، وأستمع إلى ما يقوله الأستاذ، فارضًا رأيه فيما يقول. وفي السنة الأولى للجامعة اكتشفت لماذا فشلت في المواد الرياضية، عندما بدأت بكتابة دراسة نقدية عن شعر الشاعرة الراحلة فدوى طوقان بعنوان (فدوى طوقان والشعر الأردني المعاصر) وقدمتها للدار القومية للطباعة والنشر وهي دار حكومية، وتمَّ نشرها عام 1966 ضمن سلسلة «مذاهب وشخصيات». ونُشر عنها إعلان في جريدة الأهرام في الصفحة الأولى، وكانت فرحتي لا تتسع لها الأرض ولا الكون كله.

وكنت أقول لنفسي كالمجنون:«إنت يا المفعوص على الصفحة الأولى من الأهرام.. وينك ياما تشوفيني..!».

وفي العام التالي كتبت دراسة نقدية أخرى عن رائد القصة القصيرة في العالم «أنطون تشيكوف» بعنوان «النهايات المفتوحة» نشرتها مكتبة مدبولي بالقاهرة. وقد منحني الراحل الحاج محمد مدبولي يومها مكافأة مالية مجزية بلغت 17 جنيهًا مصريًا، كانت بالنسبة لي ثروة هائلة، اشتريت بها بعض الكتب.

إذن، لقد اكتشفت بعد سنوات سرَّ فشلي في الرياضيات والعلوم الآن. فالإنسان لا يُخلق بقلبين في جوف واحد. قلب للعلم وقلب للأدب. هناك بالطبع بعض الشواذ في التاريخ ممن درسوا العلوم، وانقلبوا إلى الأدب ومنهم الأديب الروسي تشيكوف نفسه، الذي كان طبيبًا، وأصبح أشهر كاتب قصة قصيرة في العالم. ومنهم في مصر يوسف إدريس، ونوال السعداوي، وعلاء الأسواني (طبيب الأسنان، ومؤلف رواية «عمارة يعقوبيان»، و«شيكاغو»)، وغيرهم. ولكن هؤلاء هم الاستثناء وليسوا القاعدة.

المناهج لا تنتج شعراء وأدباء

صحيح أن المدارس والجامعات لا تخلق الشعراء والكتّاب والفنانين العظماء، فهي تعطيك في مناهجها - إن كانت سليمة - مفاتيح الشعر والأدب، ولكنها لا تضمن لك أن تكون شاعرًا أو كاتبًا أو فيلسوفًا. ففي كل عام يتخرج في كليات الآداب آلاف الطلبة في الأدب والفلسفة، ولا يبرز منهم كاتب واحد أو فيلسوف واحد. فالأدب والفلسفة والفن، ذات أسرار إنسانية، مغلقة علينا حتى الآن، كأسرار وجود عدد كبير من الفلاسفة في القرن الثامن عشر مثلاً، وفي بلد كألمانيا، وظهور عدد من عظماء الموسيقى الكلاسيكية في الفترة ذاتها.

لم يعلمني أحد!

ليس غرورًا ولا جحودًا الاعتراف من أن لا أحد علمني أو ساعدني على تخطي فشلي، بقدر ما قمت أنا نفسي بنفسي في تعليم نفسي وتثقيفها. وعندما كنت في الثانية عشرة من عمري، أو ربما في الثالثة عشرة من عمري، وفَّرت من مصروفي اليومي (تعريفة يوميًا) ومن أجرة الباص إلى المدرسة (تعريفة أيضًا). وأذهب إلى المدرسة راجلاً ذهابًا وإيابًا (حوالي ثلاثة كيلومترات) حوالي عشرة قروش، واشتريت فيها أول كتاب في حياتي. وكان كتاب «الله» لعباس محمود العقاد. وكان كتابًا جميل الشكل من إصدار «دار الهلال» بلونه الأزرق وكلمة الله باللون الذهبي، وما زلت أحتفظ به إلى الآن. وحاولت أن أقرأ في هذا الكتاب، إلا أنني لم أُكمل منه صفحة واحدة. كان العقاد صعبًا ومعقدًا في أسلوبه، وشاقًا في فهمه، فتركته، وانصرفت إلى قراءة «ثلاثية الأيام» لطه حسين، التي كان فيها طه حسين يُغني ويعزف على أوتار اللغة أكثر مما يكتب. وما زلت حتى الآن منصرفًا عن قراءة العقاد رغم احتواء مكتبتي على معظم كتبه، وقد خسرت بهذا الكثير.
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 1:47 مساءً
شوهد 160 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 7.63/10 (13 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية