خريطة الموقع
الخميس 9 سبتمبر 2010م

العدد 185/ سماحة المفتي في حوار مع المعرفة: دور المناهج التعليمية في غرس مفهوم الرحمة في نفوس الناشئين والطلاب في غاية ال  «^»  العدد 185/ رحمة.. حين كان لي من اسمي نصيب   «^»  العدد 185/ الرحمة في المجتمعات الغربية المعاصرة   «^»  العدد 185/ الرحمة.. ياسمين   «^»  العدد 185/ التربية على الرحمة... المستدامة  «^»  العدد 185/ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»   «^»  العدد 185/ من مفاهيم الرحمة في القرآن الكريم : رحمة الهداية .. رحمة العلم.. رحمة التمكين..   «^»  العدد 185/ لغة حانية. . الرحمن الرحيم   «^»  العدد 185/ تبارك ربنا الملك الحق.. الرحمن الرحيم  «^»  العدد 185/ رمضان . . شهر القرآن: )ورحمتي وسعت كل شيء( جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
يوميـات معلم
العدد 179 / مذكرات معلم في السعودية(4): في الطريق إلى السعودية

العدد 179 / مذكرات معلم في السعودية(4): في الطريق إلى السعودية
العدد 179 / مذكرات معلم في السعودية(4): في الطريق إلى السعودية
بقلم : مصطفى ياسين




شهد العام الدراسي (1961-1962م) ولادة الفوج الأول من الثانوية العامة!

وقد كان عدد المتقدمين تقريبًا (13.000) طالب.. نجح منهم في القسم الأدبي (55٪)، وفي العلمي (65-68٪) - (النسب من الذاكرة).

أي أن نصفهم كان ناجحًا وقد شكل رافدًا للوظيفة العامة والخاصة في الأردن.. وكذلك للوظائف خارج الأردن.

وقد بدت السعودية عازمة على تحديث المجتمع السعودي بنشر التعليم في كل بقعة منها!

بدأت بمدارس الذكور... ثم أتبعتها بعد ذلك بمدارس الإناث.. وقد لاحظ المعلمون أن «وزارة المعارف» لا تترك بقعة سكانية في الجبال أو القرى أو الهجر.. أو الصحاري إلا جعلت فيها مدرسة بأي عدد من الطلاب!

وهكذا انتشرت المدارس.. وأصبح المعلمون مظهرًا من مظاهر الحياة في كل البقاع السعودية المترامية الأطراف..

وبرغم المساحة الشاسعة..

وصعوبة المسالك البرية الداخلية، حينذاك (الستينيات الميلادية) إلا أن الأمن كان مستتبًا بشكل لافت للنظر!

أحمد يتعاقد..

كنت في المقهى.. كعادتي أجلس وحيدًا ساهمًا.. وكأني كنت مقيد اليدين..

«من أين أبدأ.. الحركة تحتاج إلى نقود»!!

وتضيع الخواطر.. والأحلام.. والآمال..

لم أتقدم من أحد لطلب المشورة.. ولا تقدم لي أحد بالنصح!

جاء صاحبي أحمد إلى المنزل.. ولم يجدني هناك، فأعلم والدتي أنه تعاقد للعمل في السعودية معلمًا براتب (40) دينارًا!!..

كان ذلك الراتب مبلغًا يسيل له اللعاب..

علق أحدهم: «... إن عائلة كاملة لم تكن تكسب هذا المبلغ..؟».

كظمت الأم غضبها!

وأرسلت شقيق صاحبنا الأصغر.. يطلبه للمنزل.. وقام معه وسأله عن هذا الاستدعاء المفاجئ.. قال: إن والدتك غاضبة الناس تسعى لأرزاقها.. وأنت جالس على المقهى..!

ولم يرد عليه صاحبنا بشيء.. وسارا إلى المنزل.

عندما قابلها في البيت.. وجدها سكنت.. وغادرها الغضب وقالت بلهجة حانية: يا بني.. جاء رفيقك (أبو...) لقد تعاقد للعمل في السعودية.. براتب (40) دينارًا.. يا بني.. لحق حالك..!

قام صاحبنا من فوره إلى صديقه ليقف على الأمر..

حدّثه ما كان...

لقد تعاقد للعمل في منطقة تدعى (القنفذة) على ساحل البحر الأحمر جنوبي مدينة جدة المعروفة.. وأراه أوراقه: العقد، أمر التذاكر وأمر التأشيرة إلى السفارة.. والتطعيم الواجب.. وأحضرت أم أحمد الشاي.. وقال لها صاحبنا: مبروك.. وردت: عقبالك! كان أحمد يعض أوراقه.. والبشر بادٍ على قسمات وجهه.. وهو يطلب مني أن أسرع...!

كان مكان التعاقد في عمان.. في جبل الحسين، في مدرسة الصناعة. في صباح اليوم التالي كان صاحبنا هناك.. يقف في صف طويل ينتظر الدخول إلى لجنة التعاقد..

وفي نهاية اليوم أخذوا كشوف العلامات.. وقالوا لهم أن يترقبوا ظهور الأسماء في الصحف.. وأن التعاقد سيكون في القدس..

ذهب صاحبنا إلى القدس.. ووجد اسمه مع المطلوبين للتعاقد.. وكان ينادى على المطلوبين واحدًا واحدًا.. ويتم إجراءات تعاقده ويخرج دون زحام أو فوضى.

وكان يطالع صاحبنا كل يوم جريدة الجهاد المقدسية.. ويجد اسمه في المطلوبين للالتحاق بدار المعلمين.. ولم يعر صاحبنا ذلك النداء اليومي أذنًا صاغية.. ولم يجد أحدًا ينصحه أن يلتحق بدار المعلمين.. والحقيقة المرة التي حكمته دائمًا أنه كان لا يجد شيئاً من المال قل أو كثر.. يتيح له فرصة الحركة إلى جانب أن خبرته قليلة في ذلك الشأن الهام الذي دائمًا يحتاج إلى من لهم خبرة ومعرفة.. وقدرة على التوجيه وتقدير العواقب.

كانت خسارته لدار المعلمين مضاعفة.. فبعد سفره بأسبوع جاءته إلى البيت تسعى بعثة (الهندسة) إلى مصر!

كان صاحبنا معروفًا لدوره في نشاط مركز الشباب الاجتماعي ولطالما جاءته سيارة الوكالة.. تطلبه لمناسبة أو اجتماع في المركز وعندما جاءته البعثة دله المركز على المنزل.. وليجد السائل أن صاحبنا قد سافر منذ أسبوع!

كان من الممكن إخبار صاحب الشأن بما كان.. ليتدبر الأمر بشكل أو بآخر.. لكن الأمر أخفي عنه أربع سنوات كاملة.. حتى لا يترك الراتب الذي جاءه يسعى!

وبعد عشرين عامًا من الإصرار أصبح صاحبنا جامعيًا وهو على رأس عمله.. وقد فترت.. عندئذ.. رغبته في مغادرة عمله وترك التعليم الذي أحبه.

وقد سنحت الفرصة لتغيير مسار حياته من التعليم والاستفادة من مؤهله الجامعي وذلك عندما جاء به صاحب له إلى شركة حديثة.. ليس بها من الموظفين إلا هو.. ليكون بها محاسبًا.. ولكن صاحبنا يرفض العرض وينقل بعد ذلك من مكان عمله.. الذي أحبه وقضى فيه (17) عامًا، في مدرسة واحدة إلى مكان آخر.. لتبدأ حلقة من حلقات (العذاب والألم والمعاناة) في حياة صاحبنا.. أدخلته في صراع مرير مع نفسه.. أزهدته في عمله وتلك قصة سنرويها - إن شاء الله - في مكانها، بالوثائق، من هذه المذكرات.

بدأ بالتجهيز لرحلة السعودية في أواخر سبتمبر من العام 1963م..

وسأل من سبقوه قبل ذلك بعام..

ولما كانت جيزان في حرها كأريحا.. فلم يثقل نفسه بملابس الشتاء التي لم يكن أصلاً يملكها!

وصحب معه بعض كتب العقاد.. وروايات نجيب محفوظ.. والسحار وأجزاء من صحيح البخاري الذي كان يصدر عن دار الشعب في مصر أجزاء متفرقة.. ثم تجمع بعد ذلك!

نزل مع زملائه في جدة في فندق على البحر الأحمر قريبًا من سوق البلدة القديمة..

ثم ذهب لأحد أصدقائه القدامى.. ليدله على خياط للثياب.. فأوصى على اثنين!

وقد ساعده على شراء حاجاته أنه استلم بدل سكنه (راتب شهرين) (960) ريالاً.. في مدينة جدة.. من إدارة التعليم قبل أن يصل إلى جيزان.

بعد أسبوع وصل بطائرة الكونفير وهي طائرة مروحية.. والرحلة بها مخيفة لكثرة ارتفاعها وهبوطها.. وخاصة لمن يركبها للمرة الأولى.. إلى مطار جيزان.. وكان المدرج من التراب حينذاك..

استقبلنا مدير التعليم.. واصطحبنا إلى إدارة التعليم.. وأتموا إجراءات تعييننا.

كان نصيب صاحبنا وزميله (خليل) يرحمه الله في مدرسة (أبي القعايد الابتدائية)، وهي تبعد عن جيزان (40) كيلومترًا.. وهي مسافة قصيرة ولكنها كانت متعبة وتجلب الغثيان للنفس.. لأنها تمر في أرض زراعية بين جيزان وصبيا - طولها 25 كيلومترًا وتحتاج إلى ساعة أو أكثر لاجتيازها!!

تلقانا في صبيا مدير مدرستنا.. وبتنا ليلة عنده.. ثم صحبنا في اليوم التالي إلى (أبي القعايد).. القرية الصغيرة الهادئة التي تبعد عن صبيا 15 كيلومترًا.

نزلنا في المدرسة.. ثم استأجرنا بيتًا قريبًا من المدرسة ونقلنا متاعنا إليه!

بدأنا نبحث عن طريقة العيش في هذا المكان..

لا يوجد مخبز نشتري منه الخبز..

ولا توجد خضراوات.. وعليك أن تذهب يوم السوق (الثلاثاء) إلى صبيا لإحضار حاجياتك!

وعليك أن تغسل ملابسك بنفسك.. وتطبخ بنفسك! وعليك أن تتعلم ركوب الحمار.. حتى تصل إلى أي قرية تريد، فالسيارة ليست دائمًا متوفرة!؟

كان عدونا الرئيسي الكلاب التي لا يمنعها شيء من الدخول إلى المنزل (العشة) ذات الباب الواسع.. ذلك الباب الذي لا يمكن أن يغلق كما تفعل الأبواب؟

فالكلب مغرم بالخبز وبالسمن النباتي.. وكنا إذا سهونا عن رفعه وتعليقه بحيث لا يصل إليه.. فإننا حتمًا سنفقد الخبز أو السمن، ونبيت جائعين في تلك الليلة.. إن لم يستمر انقطاع الخبز.. أيامًا وليالي!!

الماء يجلب على الحمار.. في جرار ضيقة الفم.. حتى لا يندلق منها الماء بسهولة.. وحتى يمكن إغلاقها فلا يدخل إليها بعض الحشرات التي تفسد الماء!

مدير المدرسة يأتي على حماره من مسافة (40) كيلومترًا.. وأحيانًا يتأخر.. وأحيانًا يغيب دون أن يخبرنا!

وكانت الدراسة تسير على برنامجها ولا تتعطل.. فعند الحاجة نجمع الصفوف ونعلم الجميع.. وأقوم أنا وزميلي بما يتطلب من أعمال المدرسة.

أصبت في تلك السنة ـ63-64م) وهي السنة الأولى من عملي بالملاريا - وقد كانت من الأمراض المستوطنة.

عرفنا أدوية (الكموكين والريزوكين).. وهي تؤخذ وقايةً وعلاجًا للملاريا.. ولم يفدني شيئاً، وذقت طعم الملاريا ونقص وزني (10) كيلو غرامات!! من تلك المعاناة.. والتي كان يجب أن تقنعني إلى جانب المصاعب الحياتية الأخرى التي نعانيها يوميًا أن عليّ أن أختار طريقًا آخر.

وانتهى العام الدراسي الأول

وقد كانت صحبة موفقة مع زميلي (خليل).. يرحمه الله.

وفي رحلة العودة.. هبطنا في جدة..

وذهبنا إلى السوق.. سوق الندى.. نبحث عن ساعات (جوفيال) وعن نظارات (البشاوري، بيرسول).. وعن تلك القمصان الصيفية التي عليها نقش مخيط بالألوان على جيب الصدر!!

تلك العلامات التي كان يلحظها الخبثاء من زملائنا.. فيقول: «هذه علامات معلم السعودية»!!

كان نصيب المنزل في المخيم.. (لوكس بتروماكس) الألماني للإضاءة التي تضفي على المكان جوًا احتفاليًا.. لضوئه الأبيض الباهر.. الذي يصلح للسهرات.. في صيف أريحا.. وراديو (توشيبا).. وهو من أكثر الهدايا نفعًا للبيت.. لما فيه من الأخبار والعظات.. وقرآن الفجر. وقطعًا من القماش التي تصلح ثيابًا زاهية!!

وصاحبنا برغم سروره بعودته.. وبالمبلغ الذي وفره إلا أنه يعاني من عقابيل مرض الملاريا.. والتعب والإرهاق في سفره المتواصل..

وعادت إليه آلامه الدفينة.. وأهمه لقاء زملائه الذين يعودون قريبًا من مصر.. وبيروت.. ودور المعلمين.. وكيف سيكونون في مستقبل الأيام!
تم إضافته يوم السبت 27/02/2010 م - الموافق 14-3-1431 هـ الساعة 1:46 مساءً
شوهد 162 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 2.38/10 (4 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية