 بقلم : أسماء العبودي - الرياض :
تدخل هدى يوميًا إلى المدرسة وتبدو على وجهها علامات الإجهاد والتوتر لتلحق بالتوقيع في سجل الحضور اليومي قبل أن تعلن المساعدة عن وضع الخط الأحمر ، الذي يثير هدى كثيرًا لدرجة أنها تتمنى أحيانًا أن تلغى صناعة الأقلام الحمراء من على وجه الأرض.
ولا يكاد يمر يوم من أيام العمل في المدرسة دون أن نتبادل أطراف الحديث عن يومياتنا وأطفالنا، ولكن هدى بالذات تبدأ حديثها وهي ناقمة على كل شيء حولها بدءًا من زوجها الانتهازي كما تسميه إلى صعوبة ما تواجهه من مشكلات أطفالها اليومية وصعوبة السيطرة على أمورهم، خاصة أنها مسئولة وبشكل مباشر عن العناية بأم الزوج المشلولة لديها في المنزل.
تأتي هدى أحيانًا دون تحضير للدروس، وتتمتم بينها وبين نفسها متمنية أن يمر اليوم دون حضور المشرفة التربوية، وحالما تنهي حصتها الأولى يبدأ مسلسل الاتصالات الهاتفية بالخادمة في المنزل لتتأكد من أنها أعطت طفلها الرضيع جرعة المضاد الحيوي ولتطمئن من أنه لا يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة مرة أخرى، ثم تطلب منها أن تقوم بتغذية حماتها لوجبة الإفطار، وهذا فقط في الاتصال الأول في اليوم، ولا تنسى هدى أن تشكر الخادمة على اهتمامها، وهي تذكرها بأنه لا يهم أن تقوم بتنظيف المنزل، وأن تبقى قرب الصغير والعجوز حتى تحضر إلى المنزل، وبعدها تقوم بتأدية الواجب اليومي للاتصال على والدتها والاطمئنان عليها، ولا تنسى أن تعتذر لها عن عدم تمكنها من زيارتها لهذا الأسبوع لأنها منشغلة جدًا مع صغيرها المريض ومع حماتها التي تأخذ جزءًا كبيرًا من الوقت للعناية بها.
ولا تكاد تنهي هدى مكالمتها دون أن تجهش بالبكاء مثيرة في نفوس من حولها الألم، ولا يخلو الأمر من مشاركة الأخريات لها بالبكاء فما يحدث لهدى، تعاني منه غالبية الموظفات في المدرسة وأن تباينت الظروف في حدتها لدى واحدة دون الأخرى.
إجازة أمومة
اقترحت عليها أن تطلب إجازة أمومة للعناية بالصغير، ولتأخذ قسطًا من الراحة من العمل فربما كان هذا الحل يخفف من الضغوطات التي تعاني منها، ولكنها قالت إنني لا أملك حتى هذا الخيار، فإجازة الأمومة تعني الحصول على ربع المرتب الشهري، ومصاريف الأسرة والأطفال لا تنتهي، وغلاء الأسعار الحالي يجعلني أفكر ألف مرة بهذا الخيار، ولا تنسي أنني أواجه ضغطًا من زوجي بهذا الأمر، فمرتبه ثلث مرتبي، وهذا يعني أننا لن نتمكن من الصمود في حالة أخذي للإجازة، وربما لو كان النظام يتيح لي أن آخذ إجازة استثنائية لمدة شهر واحد قد أستطيع قليلًا ترتيب بعض الأمور للتقليل من هذه الضغوطات، ولكن للأسف أنظمة الإجازات بالنسبة للمرأة غير منصفة والنظام المدرسي أيضًا لا ينصفنا، ولا أدري ما الذي يمنع من أن أقوم بإعطاء دروسي في الحصص الأولى أو الأخيرة مثلًا لأستطيع في الوقت المتبقي أن أعود إلى البيت وأقوم بمهمات أخرى تنتظرني.
حالة عامة
حالة هدى, حالة عامة تنتشر في أوساط الموظفات السعوديات، ولا فرق هنا من كون هدى معلمة في مدرسة أو أكاديمية في جامعة، فهذا الصراع تعاني منه المرأة العاملة، التي تجد نفسها مضطرة لتأدية جميع الأدوار المناطة بها، فدوامها عادة يأتي قبل أن يبدأ الموظفون، فهي أول من يصحو صباحًا، وتسابق الوقت في إعداد وجبة الإفطار لزوجها وأولادها والتي ما أن تنتهي لتبدأ احتفالية أخرى في إيقاظ الأطفال سواء كانوا صغارًا أم كبارًا، والتي لا تخلو في العادة من المنغصات، لتلتفت إلى الصغير وتقوم بإرضاعه وتغيير ملابسه قبل تسليمه للخادمة، مرورًا على الزوج الذي يكون إيقاظه أحيانًا أصعب من إيقاظ أطفاله، لتبدأ بعدها بقليل رحلة الصباح التي لا تخلو من الشجارات وتوجيه بعض الانتقادات من قبل الزوج واتهامه لها بالتأخر كل يوم، وهو يعرف تمامًا أنها أقل من يحظى بساعات النوم في المنزل
معاناة مستمرة
ولا شك أن هناك معاناة أخرى تبدأ بعد الدوام وخاصة حين تكون مسؤولية إعداد وجبة الغداء والتي لا ترضي جميع الأطراف أحيانًا، ولتبدأ الفترة المسائية بتدريس الأطفال ومتابعتهم، إلى أن ينتهي يومها أحيانًا بالخروج لقضاء احتياجات المنزل أو اصطحاب أحدهم إلى الطبيب أو تأدية بعض المسؤوليات الاجتماعية التي لا بد منها.
صراع المرأة العاملة في الدور المناط بها يؤدي دون شك إلى ظهور مشكلات على سطح الأسرة أولًا، وعلى سطح العمل ثانيًا، إضافة إلى المشكلات النفسية التي تنعكس على صحة المرأة النفسية بشكل عام، وما يزيد من عمق هذه الأعباء هو عدم وجود وسائل تمكن الموظفة من تأدية عملها بشكل أفضل، فأغلب بيئات العمل بلا حضانات أطفال وخاصة الرضع الذين يجعلون الموظفة في حالة من التوتر والقلق لتركها الطفل مع خادمة أو مربية قد لا تكون مؤهلة لهذا الدور، إضافة إلى أن التقاليد الاجتماعية لازالت تحاصر المرأة بأهمية تأدية واجبات معينة دون النظر إلى الأدوار المتعددة التي تثقل كاهلها وخاصة حين يتضح من خلال الدراسات الاجتماعية أن المشاركة في المسؤولية الأسرية غائبة إلى حد ما بين الزوجين على الرغم من أن الزوج يكون مصرًا على عمل الزوجة نتيجة احتياج الأسرة المادي ونظرًا لمساهمة الزوجة في رفع اقتصاد الأسرة.
صراعات وأزمات
ولا يمكن أن نفصل صراع الدور لدى المرأة العاملة عن البيئة التي تعمل بها، فلا شك أن لبيئة العمل متطلبات تحدث ضغوطًا لا يحتمل تأجيلها وخاصة في المدرسة، وحين يكون هناك جدول لإنهاء المنهج المدرسي، ومتطلبات التصحيح وحل الواجبات، والمناوبة اليومية والشهرية، ودخول حصص الانتظار والأنشطة اللاصفية التي تعتبر من مثيرات الصراع الذي تعاني منه المعلمة أو المرأة العاملة، إضافة إلى أننا لا نغفل الإدارة المدرسية والإشراف التربوي والزيارات التوجيهية والتقييمية والدروس النموذجية وزيارات لجان التقويم الشامل التي لابد منها، ولا نستطيع أن نفصل هذا الصراع عن الأزمات الاقتصادية العالمية التي من الواضح أنها أحدثت إرباكا للكثير من الأسر مما جعل المرأة العاملة تؤخر سن التقاعد بعد أن كانت تخطط مثلا للتقاعد المبكر فأصبحت الأسرة تعتمد اعتمادًا مباشرًا على دخل الزوجة لدرجة أن الكثيرات يواجهن ضغوطًا حتى من الأبناء بعدم التقاعد أو أخذ الإجازات الاستثنائية نظرًا لأنهم اعتادوا الحصول على متطلباتهم الحياتية من الأم.
ومن ناحية أخرى أحدث صراع الدور تأثيرًا على الاستقرار النفسي للمرأة وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع الزوج الذي لا يزال يطالبها بعدم التقصير في واجباته الزوجية والاجتماعية، إلا أن الواقع لا يزال يبرهن على الموروث الاجتماعي في العلاقة الزوجية الذي لم يصاحبه أي تطور فيما يتعلق بالمشاركة في المسؤولية المنزلية، ومسؤوليات الأطفال.
التوفيق بين المهام
ويجدر بنا أن نتحدث عن المشكلات الاجتماعية, وهي تلك العقبات والصعوبات التي تعترض المرأة العاملة كونها أمًا وزوجة وربة بيت, وبالتالي مسئولة بالكامل عن أسرتها وعملها. لذا فإن التوفيق بين هذه المهام يخلق عندها أوضاعًا جديدة تجعل منها إنسانة تعاني من تغيرات متعددة على الصعيد الاجتماعي أكثر مما يعاني الرجل, فترك الأطفال عند الخروج للعمل, مع الاعتراف بأهمية وجودها الدائم مع الطفل خصوصًا في السنوات الثلاث الأولى من عمره, باعتبارها المعلم الأول للعلاقات الإنسانية والقيمية, والوسيط المهم بين الطفل والعالم الخارجي, ولانفصالها عنه أسوأ الأثر في شخصيته من خلال شعوره بالقلق وعدم الأمان والارتباك, الأمر الذي يجعلنا نعترف بالدور المميز للأم عن دور الرجل.
من هنا نجد بعض النساء تخف رغبتهن بالإنجاب مع التقدم الوظيفي والمهني نتيجة هذه الإرباكات, لأنهن يعتبرن الإنجاب ومسؤولياته عائقًا أمام تقدمهن الوظيفي والمهني والعملي, إضافة لمشكلات أسرية وزوجية قد تنشأ نتيجة ضعف الروابط الأسرية بخروج المرأة للعمل, مما يؤدي لزيادة حالات الطلاق أيضًا.
اضطرابات نفسية
أما على الصعيد النفسي, فتؤكد الدراسات السيكولوجية, أن المرأة العاملة تواجه جملة من الاضطرابات النفسية, مع أنها خرجت للعمل بملء إرادتها, ومع أنها وجدت فيه ذاتها.
ومن أبرز هذه الاضطرابات: الاكتئاب والإحساس بالذنب: فهي مشتتة الفكر ما بين أسرتها وعملها, وضرورة قيامها بواجباتها كاملة, وهذا ما ينعكس على تصرفاتها, إذ نجدها مكتئبة يائسة, وعرضة للإحساس بالذنب مترافقًا مع بعض الأعراض الثانوية كفقدان الشهية, الأرق, وربما البكاء المتكرر. وفي حال تفاقم الوضع, تتحول الأعراض الثانوية إلى مرض حقيقي, وتصبح المرأة عاجزة عن القيام بأي عمل.
إن المرأة العاملة غالبًا ما تكون تحت ضغط حالة من التوتر والانفعال في المجالات كافة لتحملها المسؤولية كاملة, خصوصًا إذا كان لديها أطفال, فهي مشتتة بين العمل ومشاكله, وما بين دور الحضانة والمنزل ومسؤولياته, إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية التي تتأثر بها المرأة أكثر من غيرها باعتبارها المسؤولة عن تأمين مستلزمات الأسرة من طعام وملبس وغيره, وهذا ما يجعلها تعاني الغربة والضغط النفسي والإرهاق العملي الناتج عن تحملها ما يفوق طاقتها وقدراتها.
الاتزان والتكيف
هذا الصراع النفسي العميق والعنيف تتوقف نتيجته على شخصية المرأة ومدى التزامها واتزانها. فإذا كانت متزنة عاطفيًا, فإنها تعالج مشاكلها بتنظيم وقتها ومسؤولياتها, والتكيف وفق الظروف. فلا تتذمر, بل تشعر بقيمة العمل, وتحس بالفرح لدى عودتها للبيت. أما إذا كانت غير ذلك, فنجدها دائمة الشكوى بشكل غير صحيح, ودائمة التغيب عن عملها, وهذا تعبير عن رغبة لا شعورية في التخلي عن العمل.
لذلك فإن الصراع النفسي وتشتت المرأة ما بين عاطفتها كزوجة وأم متفرغة, وكامرأة عاملة قد لا ينتهي، ولكن لا يعني الأمر إطلاقًا أن هذه الصراعات لم تترك الكثير من الإيجابيات على حياتها، فشعورها أنها جزء مهم في الاقتصاد الأسري، وشعورها بالرضا عن الذات والاستقلالية الاقتصادية قد تمنحها شعورًا بالأمان النفسي، وحصولها على مكانة وظيفية والإحساس بالقيمة الاجتماعية من خلال إنتاجيتها في العمل واحترام الذات كلها أمور إيجابية، ومتى زال الصراع الداخلي فإن هذه الإيجابيات ستنمو وتزدهر وسوف تترك أثرًا على النفس وعلى الآخرين.
|