رؤى العدد 178 / تعقيبًا على ملف التعليم في الجزائر : التعجل بالتعريب أورث الاستقطاب اللغوي الحاد
العدد 178 / تعقيبًا على ملف التعليم في الجزائر : التعجل بالتعريب أورث الاستقطاب اللغوي الحاد
بقلم : علي بعورة - الجزائر :
ورثت الجزائر بعد نيلها الاستقلال في 5 يوليو 1962م وضعًا ثقافيًا متخلفًا ومعقدًا في نفس الوقت، فمن جهة تفشي الأمية وانتشار الجهل، ومن جهة أخرى طبقة محدودة مثقفة باللغة العربية انحصر نتاجها الأدبي في تمجيد الثورة والخطاب الديني التقليدي البعيد عن إنتاج الفكر، ومن جهة ثالثة طبقة من المثقفين لكن باللغة الفرنسية (فرانكفونيين) وضعتهم وسيلة تعبيرهم في الذاكرة الجماعية لعموم المواطنين في خانة نتاج مرحلة استعمارية طويلة وحصيلة جهود إضعاف الوحدة الوطنية خلال الثورة بتغريب أبناء الوطن لغويًا عن أصولهم،
لذلك كان واضحًا أن المجتمع الجزائري يواجه مشكلة التعددية اللغوية واللهجات المحلية مع ما تعنيه من مخاطر وجود تباينات عميقة في المنطلقات الفكرية والأيدولوجية لكل فئة، وأن الأمر أصبح فعلاً في تقدير السلطات بحاجة حقيقية إلى ما سمي «الثورة الثقافية» للوقاية من عواقب الاختلاف اللغوي وآثاره السلبية على وحدة الفكر والهدف والانتماء وذلك من خلال تنظيم حملة واسعة النطاق من أجل التعريب، أي تعميم استعمال اللغة العربية في المجال الدراسي التربوي، والمجال المهني الوظيفي وأيضًا على مستوى المحيط الاجتماعي، وبالرغم من الطابع المرحلي والتدريجي لحملة التعريب إلا أنه شابها نوع من التسرع من قبل بعض المتحمسين الذين استعجلوا عملية التغيير لاسترجاع مقومات الشخصية الجزائرية كمظهر تأكيد على الاستقلال السياسي للبلاد مما أدى إلى عدم الانضباط بقواعد التطبيق المرحلي لعملية التعريب فبرزت مؤشرات صراع جديد في جزائر الاستقلال ظاهره لغوي وباطنه مصلحي، فالإحلال غير المتبصر للمواطنين «المعربين» أوجد المخاوف لدى موظفي أجهزة الدولة والإدارات العامة والمصالح الوزارية والدارسين باللغة الفرنسية حيث بات الأمر يتعلق بمستقبلهم الوظيفي بل وبمصير حياتهم.. حيث إن هذا الإحلال المتسرع والمستند إلى قرار سياسي قد تم على حساب أصحاب الخبرة الطويلة والكفاءة لذلك لم تسلم العملية من الانتقادات بعضها كان موضوعيا والبعض الآخر أفرط في تسويف قرار التعريب بشكل مبالغ فيه حتى تشكلت من كل هؤلاء جبهة تتألف من عديد من النخب الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي لم تكن في حقيقة أمرها معادية كلها لسياسة التعريب كمنهاج ولكن كون نظرتهم إلى طبيعة عملية التعريب كانت نظرة عداء إلى من اعتبروه سببًا مباشرًا في تدني مراتبهم الوظيفية أو فقدان مناصبهم ومكانتهم الاجتماعية، ومن هنا كانت البداية لانعكاس تداعيات مسألة ثقافية أريد لها أن تأخذ شكل أو أسلوب «الثورة» على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، فتحول الأمر إلى قضية لغوية حملت فيما بعد كل معالم الصراع الثقافي.
استعانت السلطات الجزائرية من أجل الانطلاق السريع في عملية التعريب خلال السبعينيات بالشباب صغير السن ممن تلقوا تعليمًا متواضعًا باللغة العربية، وقامت بتوظيف مواطنين متواضعي التحصيل الدراسي من حملة الشهادات الابتدائية والإعدادية في مناصب المسؤولية في مختلف المجالات حتى الدبلوماسية منها فانعكس أثر ذلك مباشرة على مستويات الأداء والخدمة، ومنه لم يكن مستغربًا والحال هكذا أن تلجأ السلطات إلى اعتماد أساليب إدارية بالغة التعقيد والتطويل أمام المواطنين البسطاء للتغطية على عيوب الأداء ونقص الخبرة، كما لم تكن عملية تعريب البرامج الدراسية والوثائق الإدارية ومختلف المستندات تجري بمفردات عربية سليمة وبدت مترجمة حرفيًا عن اللغة الفرنسية بعبارات ركيكة أظهرت اللغة العربية في حد ذاتها قاصرة على استيعاب مفردات الحياة العلمية والعملية.
كانت سلبيات التعجيل بعملية التعريب مبررات أكثر من كافية أمام الفرانكفونيين للتقليل من شأن «المعربين» ومن خلالهم باللغة العربية حيث روجوا أنها ليست سوى لغة أدب وشعر ولا تصلح لشيء آخر سوى لخطبة صلاة الجمعة، في المقابل كانت الإصدارات الدورية الفرنسية بما حملته من مظاهر الإبهار شكلاً ومضمونًا عامل جذب كبير للشباب المراهق، كما وجد الدارسون بالثانوي والجامعات أنفسهم مضطرين إلى استيعاب اللغة الفرنسية لإعداد بحوثهم حيث كان الاعتماد كبيرًا على المراجع الفرنسية المختصة في كل المجالات ولم تكن أبدًا مسألة الحصول عليها تمثل يومًا مشكلة لوجودها في المكتبات بكميات وفيرة وبأثمان رخيصة. فكان من أثر ذلك أن أفرزت الجامعة الجزائرية خريجين «متفرنسين» أكثر منهم «معربين» لتضيع بذلك جهود سني الدراسة الأولى في التعريب.
منذ هبوب رياح الديمقراطية في الجزائر أواخر الثمانينيات برز مفهوم التعددية سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي وأيضًا الثقافي، فإلى جانب جهود التمكين للغة العربية وتمسك المتفرنسين ببقاء الفرنسية لغة حية أولى تحت مختلف المبررات وعلى رأسها العلاقات المتشابكة بين البلدين نتيجة التراكمات التاريخية برزت الدعوات المتشنجة لإعادة الاعتبار للثقافة الأمازيغية لغة وفنونًا وتراثًا في سياق المطالبة بالاعتراف بالأمازيغية جزءا لا يتجزأ من الهوية الجزائرية، كان لزامًا على السلطات تحت وقع المطالبات الحادة المعبر عنها في كثير من الأحيان بالعنف أن تعترف باللغة الأمازيغية لغة وطنية في الدستور، وكان نتيجة ذلك ظهور مؤلفات وكتب أمازيغية وأعمال فنية (أغان، أفلام سينمائية) وأخيرًا ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية، بالإضافة إلى إدخالها في مراحل التعليم الأولى بالمدارس في منطقة القبائل.
لقد أفرزت هذه الظروف وضعًا ثقافيًا أعاد الأمور في بعض جوانبها إلى نقطة البداية، اللغة العربية لم تحقق الانتشار المأمول كما لم تتخلص بعد من مزاحمة اللغة الفرنسية في كل المجالات - باستثناء سلك العدالة الذي يصدر كل وثائقه باللغة العربية - واستقطبت الأمازيغية من جهتها الملايين من أبناء ولايات منطقة القبائل المتأثرين أصلاً بنمط الحياة الفرنسية، وفي كل الأحوال بقيت اللغة الفرنسية لغة فاعلة في حياة المجتمع الجزائري عمومًا وفي يوميات أفراده، وقاسم مشترك بين كل المواطنين حيث لا يجد التلفزيون الجزائري مثلاً أي حرج في بث الأفلام الفرنسية والبرامج الأجنبية المدبلجة بالفرنسية دون كتابة أي ترجمة لها باللغة العربية للعلم مسبقًا بإتقان المواطنين كبارًا وصغارًا لهذه اللغة، فالمجتمع الجزائري يعيش شرخًا لغويًا هائلاً، ويبدو حائرًا بين عدة لغات ولهجات تفتت توجهاته وتجعله عاجزا عن الاستفادة من فضائل ومزايا التراكم التاريخي، وفي ذلك يؤكد بعض كبار المثقفين الجزائريين «أن الأموال وحدها غير كافية لإحداث نهضة ثقافية بدون لغة وطنية واحدة وموحدة» أي لغة جامعة تميز مسيرة الأمة عن بقية الأمم، وتفيدها في الارتباط بالمحيط الثقافي الذي يسجل انتماءها، ولكن بدون تجاهل وجود لهجات محلية تبرر أصالتها وجوب الحفاظ عليها كجزء من التراث التاريخي الذي ينبغي تطويره. إن عدم توفر شرط وجود لغة وطنية واحدة موحدة بالجزائر يفسر صعوبة أن يتذكر المرء اسم مطرب أو أديب واحد كان قادرًا على جمع كل الجزائريين عربًا وبربرًا.
مهما تكن لغة التعبير فإن الحديث عن الوضع الثقافي يسوق إلى الحديث عن مدى وجود ما يعرف بالصناعات الثقافية، أي الصناعات التي تنتج وتوزع الإنتاج والخدمات الثقافية، وهي - حسب نص تعريفها في اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي المعتمد لدى اليونسكو في خريف 2005 - تلك التي يتبين عند النظر في صفتها أو أوجه استعمالها أو غايتها المحددة أنها تجسد أو تنقل أشكالاً للتعبير الثقافي بصرف النظر عن قيمتها التجارية ويدخل بذلك في الصناعات الثقافية النشر المطبعي والإنتاج السينمائي والموسيقى والإنتاج السمعي والبصري والمتعدد الوسائط كما يدخل في عداد هذه الصناعات أيضًا الحرف اليدوية والتصميم بالإضافة إلى مجالين ليسا من الصناعات الثقافية بالمعنى الدقيق لكن لهما أوجه شبه بها كالإدارة التي تؤدي إلى نشوء الشركات، وصناعات الإبداع التي تعني الديكور والهندسة المعمارية وشتى الفنون التشكيلية والاستعراضية، وفي الحالة الجزائرية يكاد يكون هناك إجماع على أن هناك ضعفا في الأداء الثقافي بسبب قلة الاهتمام بالمسارح ودور السينما والفضاءات الثقافية، وأن الصناعة الثقافية بالجزائر غير منظمة وهناك من لا يعتقد بوجودها في البلاد، وأنشطة المراكز الثقافية غير دائمة والأعمال الثقافية محدودة وضئيلة جدًا بالإضافة إلى كون بعضها يتم بشكل فردي وذاتي، وهو نفسه الأمر بالنسبة للكتاب الذي ظل يخضع لحسابات تجارية وضعته بعيدًا عن صنع الحدث الثقافي أو تشكيل الرأي والوعي الحقيقي لسنوات طويلة باستثناء ما عرفته مناسبة «الجزائر، عاصمة الثقافة العربية 2007» حيث وضع برنامج لطبع 1000 عنوان جديد بدعم مباشر من وزارة الثقافة وتم بالفعل طبع 1022 كتابا في مختلف المجالات باللغة العربية ولكنها تبقى مبادرة مرتبطة بمناسبة يصعب توقع تكرارها، لذلك تبدو الحاجة ماسة لوضع أسس حقيقية للصناعة الثقافية تبدأ من تكوين نظرة استراتيجية للثقافة، ورعاية الدولة بشكل مطلق لحماية المثقفين وتشجيعهم في إطار أجواء سياسية وظروف مادية تضمن نمو وتطور نشاطهم، وإنشاء وتشكيل الأجهزة والمؤسسات التي تعمل على نشر الفعل الثقافي في يوميات المواطنين بصفة منظمة ودائمة.
تم إضافته يوم الأربعاء 20/01/2010 م - الموافق 5-2-1431 هـ الساعة 12:15 مساءً