مـكتبــة العدد 178 / من اللواتي تفوق أعمارهن 15 سنة.. 40٪ من النساء العربيات .. أُميَّات!!
العدد 178 / من اللواتي تفوق أعمارهن 15 سنة.. 40٪ من النساء العربيات .. أُميَّات!!
بقلم : محمد عويس :
رفيقة سليم حمودة من مواليد لبنان ومواطني مصر، مهمومة بقضايا المرأة، ولها إسهامات متعددة في هذا المجال وبخاصة في الأبعاد التعليمية وتشعباتها, وهي جديرة ومؤهلة لاقتحام تلك القضايا والأبعاد وحاصلة على الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية, عملت أستاذة للتربية في الجامعة اللبنانية, وخبيرة في إعداد المعلمين وتدريبهم في منظمة اليونيسكو, وتولت أول عمادة لكلية التربية في مملكة البحرين، ولاتزال تقدم استشارات متعددة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والعلم والثقافة ومع غيرها من المنظمات الإقليمية، بالإضافة إلى مشاركتها بالندوات والمؤتمرات في هذا المجال, وصدر لها هذا الكتاب الذي أشارت فيه إلى أنه حدثت في البلاد العربية في العقود الأخيرة جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية أدت إلى تطور الأوضاع التربوية تطورًا واضحًا، خاصة في عقد التسعينيات من القرن الماضي وما بعده.
ارتفع الإنفاق العام على التعليم، وصدرت قوانين وتشريعات بشأن إلزاميته ومجانيته، وبذلت جهود لتعميم التعليم الأساسي ومحو الأمية، فزادت معدلات الالتحاق بالتعليم الأساسي بعامة، ومعدلات التحاق الإناث بخاصة، وتمكنت بعض الدول من تقليص الفجوة بين تعليم الذكور وتعليم الإناث في هذا الميدان أو سدتها تقريبًا، كما توسع التعليم في مراحله المختلفة، وجرت محاولات لتحسين نوعيته بمراجعة الأهداف التربوية، وتعديل المناهج والكتب المدرسية لربطها بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولتطوير طرائق التدريس وأساليبه ووسائله، وأساليب التقويم والامتحانات، ولتحسين بيئة التعلم والتعليم بتزويد المدارس بالمختبرات والمكتبات والمشاغل والوسائل السمعية البصرية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة، وبالتالي لتحسين مستويات تحصيل الطلبة والكفاءة الداخلية والخارجية للنظام التعليمي، كما بذلت جهود في مجال إعداد المعلمين وتدريبهم.
وتذكر حمودة على سبيل المثال بعض الجهود العربية المشتركة، حيث بدأ الأخذ بمبدأ التربية الأساسية في الوطن العربي على إثر الاتفاق الذي تم بين مصر ومنظمة اليونسكو في عام 1952 لإنشاء مركز للتربية الأساسية تكون مهمته محاربة الجهل والفقر والمرض عن طريق التعليم، يكون مقره في مصر، وتدعى الدول العربية الأخرى للاشتراك فيه.
وقامت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ولا زالت بجهود واضحة لتطوير التعليم في الوطن العربي، حيث قامت بإعداد مجموعة من الاستراتيجيات والخطط التربوية، ولتنفيذ إطار عمل داكار الصادر عن المنتدى العالمي للتربية 2000 والإطار العربي من أجل تأمين حاجات التعليم الأساسي في الأعوام 2000 – 2010 التزمت الدول العربية بإعداد خطط وطنية للتعليم للجميع بدعم من مكاتب منظمة اليونسكو الإقليمية في المنطقة العربية، وذلك بهدف تعزيز: رعاية الطفولة المبكرة، والتعليم الابتدائي، ومحو الأمية وتعليم الكبار، مع التركيز على تعليم الفتيات والنساء، بالإضافة إلى تحسين نوعية التعليم. وقد عقدت مكاتب اليونسكو الإقليمية لهذه الغاية عدة ورش إقليمية وشبه إقليمية لمناقشة المحاور والمواضيع ذات الصلة بالتعليم للجميع، لتقديم الدعم المادي والفني للدول العربية بشأن إعداد الخطط.
بالإضافة إلى ذلك، قامت إدارة الطفولة في جامعة الدول العربية بجهود متنوعة، منها إعداد (خطة العمل التوجيهية للطفولة) للأعوام 2003 – 2013 تغطي بوجه خاص حق التعليم لجميع الأطفال حتى عمر 18 سنة، مع التركيز على إزالة أوجه التفاوت بين الجنسين في هذا المجال.
وحول الاهتمام العربي بتعليم الإناث وتعزيز مكانتهن يشيرالكتاب إلى أن الدول العربية شاركت بشكل واضح في الجهود الدولية الساعية لتعزيز دور المرأة، فساهمت في المؤتمرات الدولية المختلفة، وصادقت 16 دولة منها على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أو انضمت إليها، فكان من أبرز آثار ذلك رفع مستوى الوعي بقضايا المرأة في المنطقة العربية.
وفي الدورة الاستثنائية لقمة المرأة العربية التي انعقدت عام 2001 تم الإعلان عن اتفاقية إنشاء منظمة المرأة العربية كإحدى المنظمات المتخصصة في جامعة الدول العربي، ودخلت حيز التنفيذ عام 2003، بهدف تدعيم التعاون والتنسيق من أجل تطوير وضع النساء ودعم دورهن في المجتمع، وتنسيق المواقف العربية عند التعامل مع قضاياهن في المحافل الدولية، ونشر الوعي عن القضايا الخاصة بهن، ودمجهن كأولوية في خطط وسياسات التنمية الشاملة، وتطوير قدراتهن والنهوض بالخدمات المقدمة لهن لتمكينهن من المساهمة بشكل فعال في مؤسسات المجتمع والمشاركة في صنع القرار. هذا بالإضافة إلى عقد منتدى (المرأة والتربية) في سورية عام 2003 والمنتدى العربي حول المرأة والنزاعات المسلحة في بيروت عام 2004.
وقد تم في الدول العربية تطوير سياسات وبرامج لبناء قدرات الفتيات والنساء، ووضعت خطط لدمج النوع الاجتماعي والوصول إلى مجتمع أكثر حساسية بالنوع الاجتماعي، وتم تعديل بعض التشريعات أو إصدار تشريعات جديدة لصالح المرأة في بعض الدول، كتعديل قانون العمل لتعديل إجازة الأمومة للعاملات أو السماح بالعمل بدوام جزئي للمرأة لتمكينها من التوفيق بين الاحتياجات الأسرية والاقتصادية (الأردن، ولبنان) وقانون الضمان الاجتماعي لتحقيق المساواة في التعويضات بين الجنسين (الأردن، ولبنان) ومنح الجنسية لأبناء الأم المتزوجة من أجنبي (مصر، والسودان، والعراق) وقانون الأحوال الشخصية (الأردن والمغرب) وإقرار قانون (الخُلع) الذي يعطي المرأة حق طلب الطلاق في المحكمة (مصر، والأردن) إلخ.
وقد ساهمت هذه الجهود في تحسين وضع المرأة العربية وزيادة مشاركتها على جميع المستويات، وارتفعت نسبة الإناث في مراحل التعليم المختلفة وزادت مشاركتهن في قوة العمل، وفتحت أمامهن في بعض البلدان العربية قطاعات كانت حكرًا على الرجال، ووصل عدد من النساء في بعض البلدان إلى مراكز عليا، كمركز وزيرة أو وكيل وزارة أو نائب في البرلمان، أو عميدة كلية في الجامعة، أو سفيرة، أو قاضية في المحكمة كما قامت تجمعات وشبكات لربط وتنسيق أعمال المنظمات غير الحكومية المعنية بقضايا المرأة على الصعيد الوطني والإقليمي.
هذا، ولا تزال الدول العربية تواجه العديد من التحديات والعراقيل التي تمنعها من تحقيق طموحاتها، أبرزها التحديات التي يفرضها العدوان والاحتلال والحروب والصراعات الأمنية الداخلية، كالتي نشهدها في فلسطين والعراق والسودان ولبنان والصومال، والتي تستنزف الطاقات المادية والبشرية، وتلقي على المرأة أعباء إضافية جسيمة بحكم أدوارها المتعددة. كما أن المرأة لا تزال تعاني من فجوة بين القوانين التي تضمن مساواة المرأة والرجل في الحقوق وبين تنفيذها في الواقع العملي، كما تشير العديد من التقارير. ويستعرض التقرير العربي الموحد الذي أصدرته وحدة المرأة في جامعة الدول العربية جهود الدول العربية في النهوض بأوضاع المرأة العربية والمشكلات التي تعترضها على النحو التالي: مع الأخذ بعين الاعتبار التباين الكبير بين الدول العربية، يمكن القول إن أعداد الإناث في المنطقة العربية قد ارتفعت في كافة المراحل التعليمية، وتحسنت نسبتهن إلى إجمالي المسجلين في التعليم، كما تحسنت معدلات قيدهن الإجمالية والصافية، وتمكنت بعض الدول من تقليص الفجوة بين تعليم الذكور وتعليم الإناث في التعليم الأساسي أو سدها تقريبًا، بل فاقت نسبة الإناث نسبة الذكور في بعض مراحل التعليم في بعض الدول الخليجية.
وحول أبرز المشكلات التي تواجه تعليم الإناث في الوطن العربى تشير رفيقة سليم إلى أنه على الرغم من التطور التعليمي الواضح في تعليم الإناث على مستوى المنطقة العربية ككل، فلا تزال الأنظمة التربوية العربية تواجه مشكلات وتحديات كثيرة في هذا المجال تدعوها لبذل المزيد من الجهود.
فعلى سبيل المثال، لا تزال معدلات القيد في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي متدنية جدًا في معظم الدول العربية، ولم تتعد معدلات قيد الإناث الإجمالية والصافية في المنطقة العربية في هذه المرحلة 26% و 25% على التوالي في عام 2002/2003، على الرغم من الأهمية القصوى لتربية الأطفال في هذا العمر نظرًا لتأثير ذلك على نمو شخصياتهم وعلى مستوى تحصيلهم التعليمي في المراحل اللاحقة.
كذلك، لا تزال نسب الملتحقات بالتعليم في كافة المراحل التعليمية الأخرى منخفضة في كثير من الدول العربية إذا ما قورنت بمثيلاتها في كثير من الدول الأخرى.
ففي مرحلة التعليم الابتدائي، مازال كثير من معدلات القيد الإجمالية والصافية للإناث في الدول العربية منخفضًا مقارنة بمثيلاتها في كثير من دول العالم، وتبقى نسبة لا يستهان بها من الإناث في عمر المرحلة الابتدائية خارج المدارس في عدد من تلك الدول.
ولا يزال هناك فرق لصالح الذكور في هذه المرحلة في عدد لا يستهان به من الدول العربية، بل تشير التقارير إلى أن هذا الفرق سيبقى قائمًا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، إذا لم تتخذ إجراءات لتعديل الاتجاهات الحالية وتنخفض نسب التحاق الإناث خاصة في الأرياف والمناطق البعيدة في البلدان الكبيرة الحجم، وترتفع نسب تسربهن في تلك المناطق، مما يؤدي إلى ارتفاع نسب الأمية بينهن.
وفي مرحلة التعليم الثانوي، ورغم الارتفاع الذي تم في معدلات قيد الإناث الإجمالية في مجمل المنطقة العربية في العقود الأخيرة، إلا أنها بقيت منخفضة جدًا في بعض الدول، كما بقيت معدلات القيد الصافية للإناث منخفضة إذا ما قورنت بمثيلاتها في الدول الأخرى، وتبقى نسبة لا يستهان بها من الإناث اللواتي في فئة العمر المقابلة لهذه المرحلة خارج المدرسة على مستوى المنطقة ككل، بالرغم من أن هذه المرحلة تعتبر مرحلة إلزامية في كثير من دول العالم.
من جهة أخرى، فلا تزال الفجوة موجودة بين الجنسين لصالح الذكور في هذه المرحلة في معظم الدول العربية، على خلاف ما يحصل في كثير من دول العالم. هذا بالإضافة إلى وجود عدم انسجام في توزيع الإناث على الفروع الثانوية المختلفة، حيث يتكدسن في شُعب إعداد المعلمين (حيث لا تزال هناك معاهد للمعلمين في هذا المستوى) وفي التعليمين العام والتجاري، في حين تنخفض نسبهن في شًعب الرياضيات والفروع الصناعية والزراعية والمهنية والفنية، بسبب الاتجاهات التقليدية التي تعتبر الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا فروعًا ذكورية. هذا بالإضافة إلى انخفاض نوعية التعليم المهني والتقني، وتدني الأوضاع التعليمية في الأرياف العربية، مما يؤثر على عمل الإناث في المجالات غير التقليدية، ويؤدي إلى تركزهن في الأعمال التقليدية.
وفي مرحلة التعليم العالي لا تزال معدلات القيد الإجمالية للإناث متدنية جدًا، ولا تزال نسبة الإناث المسجلات في التعليم العالي أقل من نسبة الذكور في كثير من الدول العربية، وتتكدس الإناث في الفروع النظرية الأدبية والاجتماعية والإنسانية وتنخفض نسبهن في بعض الفروع العلمية والهندسية وفي علوم الكمبيوتر.
هذا، وقد بلغت معدلات القرائية بين الإناث العربيات (15 سنة فأكثر) 62.7% فقط في الفترة 2000 – 2004 مقابل أكثر من 99% في كثير من دول العالم، مثل ألبانيا وكرواتيا والمجر وأرمينيا وكوبا، وغيرها.
وبلغت معدلات القرائية بين الشابات العربيات (15 – 24 سنة) 82.8% في الفترة 2000 – 2004 مقابل حوالي 100% في كثير من دول العالم.
وهكذا بلغت نسبة الأمية بين الإناث العربيات (15 سنة فأكثر) 40.2% في عام 2000، وبلغت نسبتها بين الشابات العربيات (15 – 24 سنة) 19.4% في عام 2000، وتشير الإسقاطات الإحصائية إلى أن نسبة الإناث من مجموع الأميين ستبقى بحدود 64% و52% في الفئتين المذكورتين على التوالي في عام 2015، إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة في هذا الخصوص.
ولهذا، فإن متوسط عدد سنوات الدراسة للإناث اللواتي هن في سن 25 سنة فما فوق في تسع عشرة دولة عربية توافرت عنها بيانات (ليس بينها السودان والصومال) بلغت 10.7 سنوات في عام 2002/2003، متراوحًا بين 3.8 سنوات و 14.2 سنة، وفقًا للوضع التعليمي في كل دولة، في حين بلغ هذا المتوسط لمن هن من الشريحة العمرية نفسها، على سبيل المثال، 23.5 سنة في المملكة المتحدة، و 20.7 سنة في السويد، 19.9 سنة في بلجيكا، 18.5 سنة في النرويج، 17.2 سنة في الأرجنتين، 16.6 سنة في مجمل الدول المتقدمة في العام نفسه. ويعود تدني هذا المؤشر في الدول العربية إلى ارتفاع نسب الأمية وإلى انخفاض معدلات القيد في مرحلتي التعليم الثانوي والعالي. هذا وتشير التقارير إلى أن نسب التحاق الإناث في الأرياف والمناطق البعيدة تنخفض خاصة في البلدان الكبيرة الحجم، كما ترتفع نسب تسربهن في تلك المناطق، مما يؤدي إلى ارتفاع نسب الأمية بينهن.
ويتبين من بعض الدراسات القطرية أن الفتيات يتسربن بمعدلات أعلى من الفتيان، وأن عدد الفتيات اللواتي يتممن الصف الرابع الابتدائي أقل من الفتيان كما أن اللواتي يتممن الصف النهائي من المرحلة الابتدائية أقل من الذكور (مهران، 1995).
ويشكل نقص المياه النظيفة في المنازل في بعض الأرياف والقرى النائية العربية، عاملًا إضافيًا في عدم التحاق الفتيات والنساء بالتعليم؛ لأن إحضار المياه يتم غالبًا من قبلهن، ويستنزف الكثير من وقتهن، ويسبب لهن الإرهاق. فعلى سبيل المثال، منذ عشر سنوات، كان على النساء والأطفال في ريف المغرب السير لمسافة 10 كيلومترات أو أكثر لجلب المياه في الموسم الجاف، وكان الاعتماد على مصادر المياه غير المحمية، مثل الأنهار، سببًا في ارتفاع نسبة الإصابة بالبلهارسيا والإسهال والكوليرا. وقد تغير الوضع بعد تنفيذ برنامج تزويد الريف بالماء الصالح للشرب، فخفف ذلك عبء الوقت الذي كان يقع على كاهل النساء، وارتفعت نسبة الحضور في المدارس الابتدائية في الريف بين الفتيات من 30% إلى 51% ما بين عامي 1999 و2003، كما كانت هناك مؤشرات على تحسن ملحوظ في قطاع الصحة العامة. فضلًا عن ذلك، فإن توفير المياه في المنازل يفسح المجال أمام النساء للقيام بأنشطة أخرى، كالدراسة وتنمية القدرات والمهارات، والقيام بعمل مدر للدخل، مما يستدعي العمل الحثيث لتوفير المياه في المنازل العربية التي لا تزال تفتقر إليها لإفساح المجال أمام الفتيات والنساء للالتحاق بالدراسة.
كل ما تقدم يدل على أن الإنجازات التعليمية الخاصة بتعليم الإناث لم تكن في مستوى الطموحات. مما يحد من قدرات الفتيات والنساء العربيات، ويقف عائقًا في طريق تنمية مواهبهن على قدم المساواة مع الرجل، وينعكس ذلك بالضرورة على نسبة عمالتهن ونوعيتها، وعلى مدى مشاركتهن في مواقع اتخاذ القرار، ويجعلهن يتركزن في الأعمال التقليدية، أو يتعرض للبطالة أكثر من الرجال. مما ينعكس سلبيًا على حياتهن وحياة أسرهن وعلى ممارستهن لحقهن في المواطنة ممارسة كاملة، وعلى مدى مشاركتهن الفعالة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلادهن، فضلًا عما يترتب على ذلك من إهدار للموارد البشرية.
وهناك أسباب اقتصادية واجتماعية وتربوية وثقافية كثيرة تقف عائقًا أمام التحاق الإناث بالتعليم في المنطقة العربية، أو تدفعهن للتسرب باكرًا من المدارس. من ذلك مثلًا:
- الاتجاهات والمواقف التقليدية التي تجعل الأهل يعتقدون أن الدور الأساسي للفتاه أن تصبح زوجة وأمًا بالدرجة الأولى ، وهي بالتالي لا تحتاج إلى التعليم.
- اقتناع الفتاة، نتيجة للتنشئة الاجتماعية بأنها دون الفتى في القدرات والمكانة، وأنه بالتالي أحق منها بمتابعة التعليم عندما لا تسمح الظروف لكليهما بذلك.
- المستوى الاقتصادي للأسرة الذي يجعلها عاجزة عن تحمل كلفة تعليم جميع أبنائها، فتفضل تعليم الذكور فقط.
- الزواج المبكر للفتيات الذي ينتشر بشكل خاص في المناطق الريفية، فيحرمهن من فرص التعليم، فضلًا عن تعريضهن للضغوط النفسية ولمخاطر صحية كثيرة.
- عمالة الإناث المبكرة والتي تبين التقارير أنها آخذة في التزايد في المنطقة العربية نتيجة للأزمات الاقتصادية، وانخفاض دخل الأسرة، وتزايد الفقر، مما يؤدي إلى حرمانهن من فرص التعليم والتأهيل، ويعرضهن لظروف حياتية قاسية.
- حرص الأهل على سلامة الفتيات، وخوفهم عليهن عندما يضطررن إلى قطع مسافات طويلة يوميًا للذهاب إلى مدارس بعيدة عن أماكن السكن، ورفض اختلاطهن بالذكور بعد سن البلوغ، يدفعهم لحرمانهن من التعليم، وتزويجهن باكرًا.
- الظروف التربوية غير المناسبة، كالصفوف المكتظة، وعدم ملاءمة المناهج للحاجات الفعلية للدارسات، وغياب القضايا المهنية والتكنولوجية والبيئية منها، واستخدام طرائق تدريس تقليدية تعتمد على التلقين والحفظ والاستذكار، ويقل فيها استخدام أساليب الملاحظة والتجريب والبحث وحل المشكلات وتشجيع التفكير والنقد والابتكار، ونقص استخدام الوسائل التعليمية. هذا بالإضافة إلى عدم ملاءمة مواعيد الدراسة مع مسؤوليات الفتيات الأسرية أو العملية الأخرى، وضعف مستوى تأهيل المعلمات وسوء معاملتهن للدارسات، أو عدم وجود معلمات للقيام بالتدريس للفتيات (في سلطنة عمان، على سبيل المثال، ترتفع معدلات التحاق الفتيات حيث يتزايد عدد المدرسات)، بالإضافة إلى غياب دور الآباء والمعلمين والإداريين، المحليين وأفراد المجتمع في التخطيط التربوي وعمليات اتخاذ القرارات.
ولتركيز الجهود على ضرورة تأمين تعليم الإناث وإزالة التمييز بين الجنسين في الأنظمة التعليمية، تم إطلاق مبادرة (عقد الأمم المتحدة لتعليم الإناث) (1990 – 2000) وحددت أهدافه الاستراتيجية الخمس على النحو التالي:
- توفير التزام سياسي وإمكانات لتعليم الإناث.
- القضاء على الفجوة بين الجنسين فيما يتعلق بالالتحاق بالتعليم وإكماله.
- القضاء على التمييز بين الجنسين فيما يتعلق بالالتحاق بالتعليم وإكماله.
- دعم تعليم الإناث في المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والصراعات الداخلية.
- القضاء على التمييز الاجتماعي والثقافي الذي يحد من تعليم الفتيات.
وهكذا، ازداد ظهور النساء ذوات الدخول المنخفضة بوصفهن عمالة زراعية مؤقتة أو مشتغلات في الاقتصاد غير الرسمي، بحيث يشكلن 70% من فقراء العالم، والعديد من النساء محرومات من امتلاك الأرض، ومساحة ما يستطعن امتلاكه منها أصغر بشكل عام مما يمتكله الرجال، ورأس مال المشاريع التي تديرها النساء أقل من رأس مال مشاريع الرجال، وما زال تمثيلهن متدنيًا في الجمعيات الوطنية والمحلية، ولا تشغل المرأة سوى 14% من الأعمال التنظيمية والإدارية، و10% من المقاعد البرلمانية و8% من المناصب الوزارية، ومازالت المرأة تفتقر إلى المساواة في كثير من النظم القانونية، وكثيرًا ما تعمل ساعات أطول من ساعات عمل الرجل دون تقدير لعملها أو اعتراف به، ويخيم خطر العنف على حياتها من المهد إلى اللحد، ورغم الزيادة الأخيرة في مستوى التحصيل العلمي للنساء، فما زلن يحصلن على أجور أدنى من أجر الرجال في سوق العمل حتى عند حصولهن على المستوى التعليمي ذاته وسنوات الخبرة نفسها مثل الرجال، وعدم المساواة هذا يضر بقدرة النساء على المشاركة في التنمية والمساهمة في رفع مستوى حياة أسرهن، ويحد من تأثيرهن على القرارات في مجتمعاتهن على المستويات المحلية والقومية.
ونتيجة لهذه الجهود وغيرها، تمكنت الدول العربية من زيادة أعداد الملتحقين من الذكور والإناث بمراحل التعليم المختلفة، وتحقيق تحسن في معدلات القيد الإجمالية والصافية للجنسين، وخفض نسب الأمية، ورفع نسب القرائية.
ولكن مع الأسف، ورغم التوصيات العديدة التي تؤكد ضرورة تعزيز العمل القومي المشترك في مجال محو الأمية وتعليم الكبار، يلاحظ أن هذا العمل قد تضاءل في الوقت الحاضر.
كذلك، ورغم الجهود التي بذلت في الدول العربية من أجل النهوض بالتعليم، فلا تزال الأوضاع التعليمية كمًا وكيفًا أقل من مستوى الطموحات، وعاجزة عن مواجهة التحديات الحاضرة والمستقبيلية، وتتعدد فيها أنماط التعليم وتتباين بين تعليم حكومي وخاص، وطني وأجنبي، ديني وعلماني، مما يعرقل تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية والعدل الاجتماعي والوصول إلى كثير من الفئات المحرومة، بحيث أصبح التعليم في الدول العربية عائقًا للتنمية بدلًا من أن يكون عنصرًا فعالًا في إحداثها.
هذا، ولا تزال نسبة لا يستهان بها من الأطفال في سن التعليم الأساسي خارج المدرسة، قدر عددهم بنحو خمسة ملايين في 18 دولة عربية في عام 2002/2003 (لا تشمل السودان والصومال وليبيا وسوريا وجزر القمر)، منهم حوالي ثلاثة ملايين فتاة، ومما يزيد المشكلة حدة عدم توافر تشريع في بعض الدول العربية يلزم الأطفال في سن التعليم الأساسي بالالتحاق بالمدرسة، أو لا يتم التشديد بتطبيقه في بعض الدول عندما يوجد؛ لافتقارها إلى البنية التحتية اللازمة. مما يوفر منبعًا لتدفق مزيد من الأميين كل عام، يضافون إلى الذين تحاول الدول العربية جاهدة أن تقضي على أميتهم.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات والتقارير إلى تدني نوعية التعليم في الدول العربية بشكل عام في كافة مراحله، حيث تفتقر البيئة التعليمية في كثير من الدول العربية، خاصة في الأرياف، إلى المرافق الضرورية لحسن سير العملية التعليمية – التعلمية، كالملاعب، والمكتبات، والمختبرات، والمشاغل، والوسائل والتقنيات التعليمية، بل أحيانًا على المرافق الصحية المناسبة؛ كما تشكو من كثافة الفصول في كثير من الأحيان، ومن ضعف المناهج الدراسية، التي تركز على النواحي النظرية وتهمل النواحي العملية وتعجز عن تلبية حاجات المتعلمين ومتطلبات سوق العمل والتطورات العالمية المعاصرة؛ وتعاني نسبة كبيرة من المعلمين من نقص في مؤهلاتهم الأكاديمية والمهنية يجعلهم يستخدمون طرائق تعليم وأساليب التي تساعد على تنمية قدرات التفكير المنطقي والتحليل والنقد وحل المشكلات والمواهب ومهارات التعليم الذاتي وتقيد فرص الإبداع. ولهذا كله انعكاس سلبي على مستوى تحصيل المتعلمين، وعلى الكفاءة الداخلية والخارجية للأنظمة التعليمية. وهكذا بينت الدراسات في عدد من الدول العربية أن المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والرياضيات ومهارات الحياة لدى الذين أكملوا التعليم الابتدائي متواضعة للغاية.
كذلك، فلا يزال التعليمان الثانوي والجامعي شبه منفصلين عن عالم العمل، ويشكوان من عدم قدرتهما على مواجهة التحديات الكبيرة المحلية والدولية، وعلى رأسها تحدي العلم والتكنولوجيا والمنافسة الاقتصادية.
وتبين الدراسات أن نوعية التعليم المهني والتقني في الدول العربية وطبيعة البرامج المقدمة فيه، ليست بالمستوى المطلوب، ويلاحظ ضعف ارتباط هذا التعليم بالحاجات التنموية، وضعف مستوى خريجيه، كما تبقى بنية برامج إعداد معلميه وضعف نوعيتها مشكلة أساسية لهذا التعليم.
أيضًا الأوضاع التعليمية في الأرياف العربية متدنية جدًا، فأبنيتها غير مناسبة، وصفوفها مزدحمة، ومعلموها أقل خبرة وأضعف حماسًا للتدريس، والمكتبات والتسهيلات التعليمية غير متوافرة، فضلًا عن أن المناهج التعليمية لا ترتبط بشكل كاف بالحياة الريفية وتتحيز للحضر. وهذا يؤدي إلى انخفاض مستوى التحصيل لدى التلاميذ، وارتفاع معدلات التسرب، واشتداد التفاوت بين الذكور والإناث في معدلات الالتحاق بالتعليم. كما أن هناك حاجة ماسة إلى برنامج ملائم للتعليم التقني والمهني في المناطق الريفية يستهدف تحسين نوعية الحياة والظروف المعيشية فيها.
كل هذه الأوضاع التربوية تؤكد أن التعليم في المنطقة العربية مازال عاجزًا عن مواجهة متطلبات العصر وإعداد الأجيال لمواجهة تحديات الحياة العملية؛ مما يتطلب إجراء تعديل جذري في مناهج التعليم وطرائقه ووسائله وتأهيل معلميه، لتربية جيل من الجنسين قادر على التفكير العلمي، وعلى الإبداع والابتكار، وعلى ملاحقة التطور التكنولوجي وثورة المعلومات، والعيش في القرن الحادي والعشرين.
تم إضافته يوم الأربعاء 20/01/2010 م - الموافق 5-2-1431 هـ الساعة 12:04 مساءً