خريطة الموقع
الخميس 9 سبتمبر 2010م

العدد 185/ سماحة المفتي في حوار مع المعرفة: دور المناهج التعليمية في غرس مفهوم الرحمة في نفوس الناشئين والطلاب في غاية ال  «^»  العدد 185/ رحمة.. حين كان لي من اسمي نصيب   «^»  العدد 185/ الرحمة في المجتمعات الغربية المعاصرة   «^»  العدد 185/ الرحمة.. ياسمين   «^»  العدد 185/ التربية على الرحمة... المستدامة  «^»  العدد 185/ «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»   «^»  العدد 185/ من مفاهيم الرحمة في القرآن الكريم : رحمة الهداية .. رحمة العلم.. رحمة التمكين..   «^»  العدد 185/ لغة حانية. . الرحمن الرحيم   «^»  العدد 185/ تبارك ربنا الملك الحق.. الرحمن الرحيم  «^»  العدد 185/ رمضان . . شهر القرآن: )ورحمتي وسعت كل شيء( جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
يوميـات معلم
العدد 178 / مذكرات معلم في السعودية ( 3 ).. وداعًا أريحا

العدد 178 / مذكرات معلم في السعودية ( 3 ).. وداعًا أريحا
العدد 178 / مذكرات معلم في السعودية ( 3 ).. وداعًا أريحا
بقلم : مصطفى ياسين :


في الصف السادس (56 - 57م) جلس بجانبه طالب في مثل سنه وبنيته واجتهاده هو (أحمد). تحولت علاقة المكان إلى علاقة صداقة روحية بين الاثنين.. استمرات إلى الآن!
كانا متوافقين.. حتى وهما يتزاحمان على الترتيب الأول في الصف... وكانا يتداولان هذا المركز.. كأنهما على اتفاق في ذلك!
صارا يدرسان معًا.. ويخرجان معًا.. يتفقان ويختلفان.. ولا يفسد الاختلاف ودهما!
الدراسة كما خبرناها في تلك الأيام كانت تتم في الأماكن الخالية المفتوحة.. وهي كثيرة حول المخيم.. تغري بذلك المياه الجارية في كل مكان.. والخضرة وانبساط المكان..!
في أوقات الاختبارات كان عليهما أن يسهرا.. وكان في منزل أحمد سعة، وكان سهرهما ورغبتهما في مراجعة المادة الدراسية من الفجر حتى موعد الامتحان.. يجعلانهما ينامان في بيت أحمد.. وكانا لا يجدان حرجًا أن يناما على فراش واحد.. وبغطاء واحد.. فأريحا لا تعرف البرد أبدًا.. ولم يكن عند أي منهما.. شيئًا زائدًا يغير هذا الوضع!
كانت أم أحمد (متعها الله بالصحة والعافية).. تُعِدُّ لهما الشاي وما تيسر بين الحين والحين.. وتشفق عليهما من السهر والجدية التي يبديانها في الدرس.. وارتفاع صوتيهما أحيانًا في النقاش فتهرع لتجدهما.. يتحاوران.. ولا يتشاجران!!
تغطيهما عند النوم.. وتضع كوب الماء على الطاولة.. وتتفقدهما كأنها تشفق عليهما من الهواء!!
وإذا أذن مؤذن الفجر.. قامت أم أحمد.. تعد الشاي.. وتأمرهما بالوضوء.. وتعد الإفطار.. وتشيعهما بنظراتها وهما يخرجان مع ظلام الفجر الخفيف نحو الفضاء الشرقي الواسع.. يعيدان مراجعة مادة الاختبار.. واسمعها تدعو.. «الله ينجحكوا»!!
امتحان الشهادة الإعدادية (59 - 60م)
في ذلك العام أجرت الأردن أول امتحان للصف الثالث الإعدادي (التاسع الآن)، امتحانًا عامًا رسميًا.
كان القانون يقضي بأن يخرج الطالب الراسب من المدرسة.. ليبحث له عن عمل.. أو مدرسة خاصة يتقدم منها للامتحان القادم.. وأجري الامتحان لعام واحد فقط.. ثم ألغي!
تقدم من مدرسة عين السلطان (120) طالبًا، نجح منهم أربعون ورسب الباقون!
وتشرد الراسبون.. فلم يكن حولنا مدارس خاصة حينذاك.. ولم يكن في قدرة أحد - حتى وإن وجدت - أن يتحمل تكاليفها!
ولا زلت أشاهد بعض زملائي أولئك بين الحين والحين! ومن الأربعين الذين نجحوا.. نجح في الرياضيات سبعة فقط، كان صاحبنا وصديقه منهم!
وهكذا وجد نفسه في العام التالي في الصف الأول الثانوي (العاشر) في العام الدراسي (60 - 61م).
وبدت مواهب صاحبنا تلفت نظر معلميه إليه.. كلفهم معلم العربية وهو مدير المدرسة بكتابة موضوع إنشاء عن «تحرير فلسطين».. وفي الحصة التالية كان موضوعه هو الفائز.. والناجح الوحيد.. وقد أغرى هذا النجاح بعض الطلبة بمضاعفة جرعة التحدي.. والتهديد له!
وكلفه أستاذه (علي) مدرس الفيزياء أن يشرح في الدرس القادم لزملائه نظرية (أرخميدس) التي تعالج أثر الطفو في الماء والغطس فيه على وزن الجسم، وأحضر المعلم أدواته.. وقام صاحبنا بشرح الدرس ونجح في ذلك.. ولاحظ صاحبنا تغامز الطلاب وهو يؤدي حركات المعلم وينبه التلاميذ المشغولين.. وتصله بين الحين والحين تعليقات زملائه.. منها المادح ومنها الهازئ!
وبعد أسبوعين كلفه أستاذ الأحياء بشرح أحد أجهزة الجسم.. وأحضر المعلم المصور.. وشرح صاحبنا درسه.. ولم يكن حظه من النجاح والتعليق.. بأقل من الموقف السابق.
ولطالما تساءل صاحبنا، بعد ذلك، وفي مراحل العمر المختلفة.. هل كان لتلك الخبرات المبكرة أثر في قراره أن يبقى معلمًا إلى آخر يوم في حياته العملية التي استمرت (4) عقود.. برغم الفرص التي جادته تسعى إليه للخلاص من ذلك؟!
سؤال سيرد، إن شاء الله، في مكان، في هذه المذكرات؟
كان سنهما المناسب لصفهما.. في وقت كان ذلك الأمر غير شائع في المدرسة.. فقد كانت الظروف.. تأتي بالطلاب وقد فاتتهم سنوات دراسية كثيرة.. ولذلك كانت الأعمار والبنية الجسدية في الصف الواحد متفاوتة!
وضعف بنيتهما.. واجتهادهما كانا كثيرًا ما يغريان لبعض زملائهما بالاعتداء عليهما أو تهديدهما.. حسدًا وغيره!
أمسك أحدهم بصاحبنا مرة وهما يغادران المدرسة - وقد وضع لسانه بين أسنانه تعبيرًا عن الغيظ والحقد، فجعل يده خلف ظهره وأشبعه لكمات وركلات.. وهدده إن أخبر أحدًا أن يضربه أشد من ذلك!
وكظم صاحبنا غيظه!
وكتم أمره.. ولكنه قرر أن ينتقم لنفسه بطريقته!
وبعد أسبوع جاءه مساء، في البيت، ذلك الطالب يطلب دفتر الحساب والهندسة.. لينظر في حل التمارين، فقد حدد له المعلم امتحانًا غاب عنه.. بعد يومين.. فاعتذر صاحبنا بأن الدفتر قد أخذه أحدهم وضاع منه.. وحتى لا يفتضح أمر هذا العذر.. تحرك صاحبنا من فوره إلى صديقه ذاك وأعلمه بما كان حتى إذا جاءه ذلك الطالب.. اعتذر بما كان!
وفي اليوم الموعود.. سمع صاحبنا ذلك الطالب يحدث زملاءه بأن المعلم قد أعطاه (صفرًا) لأنه لم يذهب لتأدية الامتحان.. وكتم صاحبنا ضحكة في صدره.. وأدرك أنه انتقم من ذلك الطالب الشرس!!
مركز الشباب الاجتماعي
كانت المؤسسات التعليمية التي ولدت مع الفلسطينيين في خيامهم بعد النكبة إلى جانب المؤسسات الصحية والاجتماعية هي التي أنقذتهم - بعد الله - من وهدة المرض والجهل والضياع!
كنت أنظر يومًا في محفظة أبي.. فظننت أنها مليئة بالمال لأنها منتفخة.. ولكن الأمر رابني.. وهل تترك هكذا على أرض الغرفة وهي مليئة بأوراق النقد؟!
تقدمت إليها وتجرأت.. وفتحت قفلها.. ونثرتها بين يدي فإذا هي أوراق تطعيم الأسرة كلها منذ سنوات ضد الأمراض! وأعدت جمعها.. وإيداعها المحفظة وأغلقتها وجعلتها في مكان مرتفع!
وأما المدارس فقد قامت مع المخيم منذ اليوم الأول في الخيام.. وقد جمع إليها كل من هو في سن الدراسة.. فقد كان الأطفال يطمعون في الملابس التي توزع عليهم.. وفي وجبة الطعام والحليب الساخن الذي يقدم إليهم!
ثم بنيت المدارس الحديثة من الأسمنت والحجر، وانتقل الطلاب إلى مدارسهم والبنات إلى مدارسهن، ثم بدأ التعليم يؤتي ثماره.. عندما توظف المتعلمون.. في الأردن وفي الخارج كالسعودية والكويت وغيرها من الدول في أمريكا الشمالية.. والجنوبية!
وبدأت الهجرة من المخيمات.. إلى المدن.. وودع كثيرون حياة المخيمات. وكانت النكبة الثانية في حزيران 1967م هي التي أفرغت المخيمات من ساكنيها.. بعد عشرين عامًا من سكناها!
كانت المدرسة هي المؤسسة التي أنارت العقول.. وكان التعليم هو أعظم المكاسب في حياة الناس الذين فقدوا وطنهم!
وقد وجد الشباب في مركز الشباب الاجتماعي في المخيم المكان الملائم الذي يطور قدراتهم التعاونية والثقافية.. ويوفر لهم مكانًا ملائمًا لممارسة الألعاب الرياضية كالتنس (كرة الطاولة).. أو كرة السلة أو القيام بالرحلات إلى خارج المخيم.. أو الدول المجاورة.. والاحتفال بالمناسبات الوطنية والدينية!
عرفنا الصحف اليومية والمجلات.. مما كان يأتي إلى مركز الشباب - من الكتب والصحف اليومية - وعرفنا الكتاب العمالقة في الأدب والسياسة من الكتب التي كانت تأتي إلى مكتبة المركز.. مع قلتها!!
وعرفنا الكتابة.. من الصحف الحائطية التي كنا نكتب فيها.. ونستمع القدح.. أو المدح.. لما نكتب.!
وتفتح وعينا الوطني.. ونحن نستمع إلى من هم أكبر منا.. يخطبون في المناسبات الوطنية.. والقومية والدينية، ويلهبون حماسنا بما يستشهدون به من شعر الحماسة.. والبطولة.. وبما يذكرونه من أحداث الجزائر والمغرب العربي.. في مقاومتهم للاستعمار الفرنسي والاستعمار عامة.. في الهند.. وإفريقيا.. وأمريكا الجنوبية!!
كانت تأتينا جريدة (الجهاد) المقدسية.. وكان ثمنها (قرشًا ونصف) وهكذا.. فالميزانية (نصف دينار) في الشهر!!
وجاءنا يومًا مدير منطقة أريحا.. وعرفنا عليه مدير المركز عندما دعانا لمقابلته في الإدارة..
وعندما جاءني الدور للحديث.. طلبت زيادة مخصص الصحف والمجلات (دينارًا) لتكون الميزانية الشهرية (دينارًا ونصف).. وتعجب المسؤول من ذلك.. وقال إن مراكز المنطقة كلها.. لا تأخذ زيادة عن نصف دينار!
قلت: إننا لا نجد ميزانية لشراء الكتب منذ سنوات.. وحتى نعوض ذلك فإن السبيل الأمثل.. أن نشتري بعض المجلات الجادة.. فقال: مثل ماذا؟
قلت: (العربي، العلوم، الآداب، الأديب.. والمصور وآخر ساعة). وهذه منها السياسية، ومنها الثقافية، ومنها ما يعتني بالأدب الحديث ومنها ما يعتني بالتراث!!
ووافق المدير على ذلك.. وكنا الوحيدين الذين لهم ميزانية مقدارها (دينار ونصف في الشهر)!! في منطقة أريحا كلها!
ولم نكن نترك مناسبة وطنية.. ولا دينية إلا احتفلنا بها.. ودعونا إليها المسؤولين!!
كيف تشكل وعينا الثقافي؟
لم يكن الراديو (المذياع).. أو التلفاز شائعًا في الخمسينيات والستينيات الميلادية من القرن الماضي!
كان الراديو في بعض البيوت.. والبقالات.. والمقاهي! ولكن المعرفة والوعي جاء من جهة الصحف والكتب.. والمدارس التي انتشرت.. وبثت الوعي الوطني والديني والصحي.. في النفوس..
كانت مكتبات المدارس تمدنا بالكتب.. وكانت المكتبات الخاصة لبعض المعلمين تمدنا.. منتقاة..
وهكذا.. فعلت الكتب المدرسية في مادتها الوطنية والأدبية.. بما قدمته من صنوف البطولة القديمة والحديثة وشعر الحماسة.. وما قدمته من نماذج من كفاح الشعوب.. وخاصة العربية.. والإفريقية!
عرفنا مصطفى لطفي المنفلوطي.. وعرفنا العقاد، والمازني، وطه حسين، والرافعي.. وعرفنا السباعي والسحار.. وباكثير..
ومن الشعراء: شوقي وعزيز أباظة.. ومطران والزهاوي وحافظ إبراهيم وعبد الرحيم محمود..
نحفظ قصائدهم.. ونصدح بها في المناسبات..!!
عرفناهم من كتبنا المدرسية.. فقد كانت أصيلة لم يدخل إليها مبضع الجراح بالبتر والتزييف!
وعرفناهم من كتبهم وما خطته أيديهم! وعرفناهم مما كتبوه من مقالات في المجلات والصحف!
استكتاب
طلبني مدير المركز.. وقال لي: إن صحيفة المساء المقدسية قد خصصت للمركز صفحة شهرية لأقلامكم.. فهل لديك استعداد أن تكتب؟.. قلت: نعم..
بعد أسبوع سلمته مقالاً: «الشباب.. والمستقبل».. قرأه المدير.. وأعجب به.. ووعدني أن يرسله إليهم.
وبعد شهر جاء عدد الجريدة وهي أسبوعية وبها المقال.. وأكثر سطوره باللون الأسود الغامق..
ولازالت هذه القضية حتى الآن تطرح نفسها على أصحاب القرار.. (كيف نعد الشباب للمستقبل؟؟)
كان آخر عهدي بالمركز في عام 1966م في الصيف.. عندما عدت في إجازتي من السعودية..
غادرت المخيم مع نهاية العطلة.. وكانت تلك آخر زيارة لي للمخيم والمركز ولأريحا التي أحببتها..
وقع عدوان حزيران 1967م.. ولم أزر تلك الأرض منذ ذلك الحين..
وبقيت الأرض.. والزهور.. والأشجار والذكريات الجميلة.. ذكريات الصبا والأحلام.. والألم.. والآمال الكبار التي ملأت نفوسنا.. تحقق منها القليل.. وبقي الكثير في الصدور..
وبرغم الفرص التي سنحت.. والظروف التي لاءمت التغير الممكن على الحياة الشخصية.. إلا أن الإرادة الفاعلة لم تتوفر.. }والله غالب على أمره.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون{.
تم إضافته يوم الأربعاء 20/01/2010 م - الموافق 5-2-1431 هـ الساعة 11:47 صباحاً
شوهد 256 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 6.00/10 (4 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية