خريطة الموقع
السبت 18 مايو 2013م

العدد 216 / الحصة الأولى  «^»  العدد 216 / المعرض والمنتدى الدولي متى تدخل هذه التقنية لمدارسنا؟ - أصوات   «^»  العدد 216 / تربوية تستعد لافتتاح أول مدرسة سعودية بنظام تعليم فنلندي.. سارة الخريجي لـ«المعرفة»: في المدرسة الفنلندية مست  «^»  العدد 216 / لهذا تفوقت فنلندا  «^»  العدد 216 / التعليم الفنلندي ضيف معرض ومنتدى التعليم 2013 روح التعاون لا التنافس بين الطلاب  «^»  العدد 216 / السفير الفنلدي في السعودية: لماذا تعتبر فنلندا قوة التعليم الخارقة؟  «^»  العدد 216 / قضايا وتحديات أمام التعليم الفنلندي  «^»  العدد 216 / التعليم على الطريقة الفنلندية  «^»  العدد 216 / جولة في المعرض والمنتدى الدولي للتعليم بقية من المستقبل في جعبة الابتكار !  «^»  العدد 216 / المعرض والمنتدى الدولي الثالث للتعليم 2013 جديد المنتجات وروعة الأفكار جديد أعداد المجلة


أعداد المجلة
آفــــــاق
العدد 159/ ما هو الوعي واللاوعي وكيف يعمل..عجائب المخ البشري

العدد 159/ ما هو الوعي واللاوعي وكيف يعمل..عجائب المخ البشري
العدد 159/ ما هو الوعي واللاوعي وكيف يعمل..عجائب المخ البشري
م. فايز مثقال فايز ـ الرياض :



أطلق على تسعينيات القرن العشرين «عقد المخ» Decade of the brain بسبب التطورات الهائلة التي تم تحقيقها في مجال العلوم العصبية. لكن هذا السيل من المعلومات بدأ لتوه يعطينا وميضًا من الفهم؛ فقد كان الباحثون يعتقدون أنهم يعرفون ماهية المخ - وهي كونه نوع من الكمبيوترات العملاقة، لكن المخ أثبت أن لديه منطقه العضوي الخاص.


تقوم آلاف الدراسات الخاصة بتصوير المخ، بتزويد علماء الأعصاب بثروة من البيانات عن كيفية عمل المخ، لكنها ليست البيانات التي كانوا يتوقعون الحصول عليها!
بدا علم الأعصاب neuroscience مرغوبًا كأسهم شركات الإنترنت في عقد التسعينيات من القرن العشرين، فقد أقبل آلاف الباحثين ومليارات الدولارات من المنح على هذا العلم، ويرجع ذلك غالبًا إلى الوعد الاستثنائي الذي قدمته الآلات التجريبية مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي Magnetic resonance imaging; MRI؛ ففجأة، بدا المخ الواعي الذي كان محبوسًا داخل الجمجمة لأحقاب طويلة متاحًا للبحث العلمي. لم يكن مجد تحقيق الاكتشافات العلمية وحده هو الدافع وراء هذا السعي، فهناك الكثير من المكاسب يمكن تحقيقها في علم الأعصاب؛ فمرض مثل مرض الزهايمر هو مرض تنكسي degenerative يصيب نحو ثلث من يصلون منا إلى سن الثمانين، ويكلف نحو 100 مليار دولار سنويًا في الولايات المتحدة وحدها. أضف إلى ذلك تكاليف علاج الكثير من اضطرابات المخ الأخرى، من الاكتئاب إلى اضطراب فرط النشاط، ثم تخيل المكاسب الطائلة التي يمكن جنيها من الأدوية المعززة لمعامل لذكاء Intelligence quotient : IQ، أو حتى الهندسة الجينية للذكاء، وسيتضح لك بجلاء لماذا ازدحم الاجتماع السنوي لجمعية العلوم العصبية بأكثر من 23,000 من العلماء الشبان الطموحين. إن العلوم العصبية مجال خصب للأبحاث، وسيزداد الاهتمام به في المستقبل المنظور. لكن ما الذي تم تحقيقه خلال العقد الماضي الذي شهد نشاطًا محمومًا في هذا المجال؟ وهل كشف المخ عن أسراره بسرعة؟ الإجابة هي: نعم ولا! فعلم الأعصاب يستفيد من مجموعة كبيرة من تقنيات البحث الثورية، بداية من السحاحات المجهريةmicro-pipettes التي يمكنها حقن بضع جزيئات فقط من دواء ما إلى أحد الموصلات العصبية، إلى تقنيات شطر الجينات. لكن برغم هذا السيل الجارف من الأبحاث المنشورة، يشعر أغلب علماء الأعصاب بأن أنوفهم ملتصقة بلوحة فنية، فيمكنهم رؤية ضربات الفرشاة السطحية، لكنهم لا يستطيعون الرجوع للوراء قليلاً لرؤية اللوحة بكاملها. لكن هناك رسالة قوية واحدة على الأقل تبدو لنا، وهي أن المخ يمثل لغزًا يمكن سبر أغواره. وكثيرًا ما يجري الحديث عن المخ على أنه ضرب من الكمبيوترات، لكن الكمبيوتر يعد آلة بسيطة للغاية عند مقارنتها بالمخ البشري؛ فالمخ كيان عضوي organic أكثر من كونه ميكانيكيًا؛ إذ يمكنه أن يتعلم، ويتوقع، ويتطور، ويتكيف؛ وهو واع؛ ويتصرف ككل قوي متكامل وليس كمجموعة من الأجزاء. وإذا كان بوسعنا أن نستفيد أي شيء من كل التقدم الحادث في علم الأعصاب مؤخرًا، فسيكون هو أن مجاز اعتبار «المخ ككمبيوتر» لا يمثل سوى أبهت مقدمة لتلك الحيوية المعقدة لتلك الكتلة من النسيج الحي التي تقبع بين أذنينا. ولننظر الآن إلى جزء من هذا التعقيد العضوي؛ فالمخ يتكون من عصبونات neurons- وهي خلايا المخ التي تنتظم في دوائر كهرو-كيميائية. يتلقى كل عصبون إشارات عصبية، وعندما يصل إلى الحد الحرج الخاص به (وهو ما يسمى بالعتبة threshold)، يطلق نمطه الخاص من الإشارات العصبية المسماة بالشوكات spikes.
تقوم شبكات من العصبونات بالاحتفاظ بالذكريات عن طريق تقوية أو إضعاف اتصالاتها العديدة بعضها ببعض. وتؤدي تجربة جديدة، مثل رؤية لوحة الموناليزا لأول مرة، إلى استثارة مجموعة معينة من الخلايا، وتبدأ هذه العصبونات على الفور في تقوية ارتباطاتها، بحيث يمكنها لاحقًا أن تتعرف على نفس المنظر بسهولة؛ حيث يؤدي تنبيه طرف واحد من الشبكة إلى إعادة الصورة الذهنية بكاملها إلى الحياة. وهذا هو أساس الشبكات العصبية neural network؛ وهي تركيب مرن يقوم بعملية تمثيل وتذكر المعلومات.
وتعتمد على المنطق العضوي organic logic، لأن هذه الدارة circuitry تتطور مع الاستخدام. ويحتوي مخ الإنسان البالغ الذي يصل وزنه إلى 1.4 كجم، على نحو 100 مليار عصبون، ولكل من هذه العصبونات عدد من المشابك العصبية synapses مع العصبونات المجاورة، يتراوح بين بضعة آلاف وبين نحو نصف مليون. وتأتي هذه الاتصالات بعدد كبير من «النكهات» الكيميائية المختلفة، ولكل عصبون نظامه الداخلي المعقد للتعبير الجيني والإنتاج الأنزيمي الذي يقوم بصورة مستمرة بضبط سلوكه. وحتى الخلية المخية الواحدة يمكن تشبيهها بمدينة مزدحمة - أي شبكة مصغرة بحد ذاتها- وليس مجرد موصل junction في تلك الكتلة المتشابكة من السبل العصبية في المخ. إن فكرة كون المخ في الأساس عبارة عن شبكة ترابطية من العصبونات، ظلت موجودة منذ أن تمكن العلماء لأول مرة من التحديق في شرائح المادة الرمادية (في المخ) تحت المجهر، لكن عقد التسعينيات من القرن العشرين كشف عن شيء جديد تمامًا؛ فباستخدام أقطاب كهربية بدقة الشعرة لتسجيل نشاط العصبونات المنفردة في مخ قرد، اكتشف الباحثون أن نتاج الخلية يتغير حسب حالة الانتباه التي يكون عليها الحيوان؛ فإذا كان مهتمًا بأحد المنبهات، مثل جسم ما في مكان معين (غالبًا لأن ذلك يشير لكونه سيحصل على مكافأة)، تقوم العصبونات التي تقوم بتمثيل شكله بالوميض بصورة أكثر حدة. وعلى العكس من ذلك، فإذا كان هذا الجسم لا يمثل هدفًا مهمًا، تخفت حدة نشاط العصبونات المعنية.
مناطق المخ
قد تقول إن هذا أمر لا يمثل صعوبة كبيرة، لكن الحقيقة هي أنه كان كذلك؛ إذ إن ذلك ينفي أي اعتقاد بكون المخ مجرد آلة بسيطة للمدخل - النتاج input-output تدخل المعلومات الحسية الخام من إحدى نهايتيها، وتقفز من الناحية الأخرى صورة «للعرض» الواعي. أظهرت تلك الدراسات أن نشاط كل عصبون تحكمه عملية للتلقيم الراجع feedback، فالطبيعة الشبكية للمخ تعني أن حالته العامة- أي رغبته في الانتباه- قد ترتد لتتحكم في نتاج بلايين الخلايا. وهنا يبرز تساؤل: هل يصنع نشاط العصبونات حالتنا الذهنية؟ أم تحرِّض الحالة الذهنية نشاط العصبونات؟ والإجابة هي أنه في حين الكمبيوتر لديه فصل صارم بين المدخل والنتاج، فللمخ منطق عضوي أو كلي holistic مختلف تمامًا، يكون فيه نشاط الكل والأجزاء المكونة له متشابك للغاية؛ فالصغير والكبير يتطوران معًا.
ولذلك فقد كان علماء الأعصاب مجبرين على اعتماد نظرة أكثر ديناميكية للمخ، وأدى ذلك أيضًا لفهم أفضل لحقيقة أخرى حول المخ؛ وهو اعتقاد أنه يتكون من مجموعة من وحدات معالجة البيانات. منذ زمن طويل، أشارت السكتتات المخية strokes، والأورام، والجروح الناجمة عن الطلقات النارية، وغيرها من صور التلف الموضعي في المخ، إلى أن المخ يحكمه منطق تقسيم العمل؛ أي أن به مناطق متخصصة للرؤية، والمشاعر، والكلام، والتحكم الحركي، والإحساس بالموقع، وهكذا. وكان هذا هو سبب الاهتمام الهائل بأجهزة مسح المخ brain scanners. بدا الأمر وكأن الباحثين سيتمكنون أخيرًا من عمل خرائط للعديد من المراكز الوظيفية في المخ بتفصيل ممتع. كان الشغل الشاغل لعلم البيولوجيا هو السعي وراء فك شفرة الجينوم البشري، وكان من الممكن أن يكون لدى علم الأعصاب مقابل يتمثل في مشروع يقوم لمرة واحدة وأخيرة برسم خرائط لجميع أجزاء ووظائف المخ. لكن هذه الآمال الكبرى ذوت بمجرد أن بدأت عمليات مسح المخ تقريبًا. من المؤكد أن المخ أظهر مراكز للنشاط؛ فعندما نتكلم، تضيء المناطق اللغوية المتوقعة في نصف الكرة المخية الأيسر، لكن الأمر نفسه يتكرر مع جميع أنواع المناطق الأخرى في المخ؛ وهناك المئات منها. كانت هناك «بقع ساخنة» محددة، لكن تلك تمثل بدورها علامات واضحة على جهد شمولي؛ فلم يحدث أن «قام» أي من أجزاء المخ بعمل أية وظيفة بصورة منفردة. والأسوأ من ذلك، قد يضيء أحد المراكز المتعلقة باللغة خلال القيام بأي نوع من النشاط الحركي التتابعي. ويبدو أن كلاً من أجزاء المخ قد طور مجموعة من الإمكانات الكامنة، ثم يتم اختياره للأداء بصورة أكثر دقة حسب متطلبات المهمة الموكلة إليه. أدى مجاز «المخ ككمبيوتر» بالباحثين لأن يتوقعوا تحديدًا صارمًا للوظائف المخية؛ لكن ما وجدوه في الواقع هو أن مناطق المخ هي وحدات عامة تتحول إلى متخصصة حسب الاحتياجات الشمولية للمخ. ومثل العامل غير المتخصص- الذي يعمل كسباك في لحظة، وككهربائي في اللحظة التالية- يمكن لأي منطقة في المخ أن تظهر عددًا من الأوجه المختلفة بعدد المهام التجريبية التي توكل إليها. وهنا ندرك إلى أين وصل علم الأعصاب اليوم؛ فالبساطة القديمة تفسح الطريق لتعقيدات جديدة؛ فقد ظهر أن للمخ منطقًا عضويًا خاصًا به تمامًا، والحقيقة هي أن علماء الأعصاب لا يزالون يكافحون لتطوير لغة يمكنها اقتناص جوهر ما يرونه في مختبراتهم يوميًا. هناك ثورة جارية في فهمنا للمخ، لكنها تبدو حتى الآن ثورة معقودة اللسان وغير قادرة على الكلام!
البحث عن الوعي
إن دراسة الوعي التي كان أغلب علماء الأعصاب يتجنبونها حتى وقت قريب جدًا، تشهد نشاطًا محمومًا لدرجة أنها انقسمت إلى ثلاثة معسكرات... لمدة طويلة للغاية، اتخذ العلماء مواقف بسيطة للغاية من الوعي؛ فإما أن يقولوا إن العلم لا يمكنه أن يأمل في تفسيره (كان عالم العقل شخصانيًا subjective بدرجة تفوق الوصف، وبالتالي فهو غير مفتوح للدراسة الموضوعية objective)، أو أن يؤكدوا أنه لا يوجد شيء يمكن تفسيره بهذا الخصوص. كان العقل يعتبر، ببساطة، مجموع ما أنجزه المخ؛ وبالتالي فبمجرد الحصول على تقرير كامل عن جميع العمليات التي يقوم بها المخ، فلن يبقى شيء آخر ليقال. لكن خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين، وبسبب الوعد الذي قدمته تقنيات البحث الجديدة لتصوير المخ، تغيرت هذه الاتجاهات بصورة مفاجئة. وأصبحت الدراسات المتعلقة بالوعي consciousness تمثل فرعًا علميًا معترفًا به، له مجلات ومؤتمرات ومقررات دراسية مخصصة. أما اليوم، فيمكن تقسيم الدراسات المتعلقة بالوعي إلى دراسات جادة وأخرى واهية؛ أما الدراسات الجادة فهي التي تتقدم ببطء، فقد بدأت بافتراض معقول هو أن الوعي ما هو إلا عملية مخية؛ أي نتاج للنشاط العصبوني المنسق. لكن العلماء أدركوا أنه ليس جميع الأنشطة العصبونية واعية بالضرورة، فكثير مما نفعله لا يبدو واعيًا، أو أنه يحدث على مستوى العادة اللاشعورية. لذلك قام أولئك العلماء بالبحث فيما أسموه المترابطات العصبيـة للوعـي Neural correlates of : NCC، محاولين معرفة ما المختلف بخصوص المخ عندما يتحرك شيء من أطراف الإدراك إلى المركز الساطع للوعي. ولنأخذ، على سبيل المثال، خداعًا بصريًا معكوسًا مثل مكعب نيكر Necker cube أو المثلث المستحيل؛ ففي لحظة ترى المكعب بارزًا نحوك، وفي اللحظة التالية تغير منظورك البصري فتراه متجهًا إلى الجانب الآخر. وباستخدام إلكترودات كهربية للتسجيل من داخل أمخاخ الحيوانات، تمكن الباحثون من تتبع الكيفية التي تغير بها العصبونات من استجابتها مع سيطرة مناظر مثل هذه على مجال الوعي لديها، وتمثل هذه طريقة قوية للتعرف على آليات عمل المخ.ومن بين الاكتشافات الأولى في هذا المجال، كان اكتشاف أن العصبونات تنزع للتزامن في إطلاق إشاراتها العصبية في نفس الوقت، عندما تشكل جزءًا من السلوك الواعي. وبالإضافة إلى ذلك، تنشط مناطق معينة من المخ عندما يهتم المرء بأمر ما، حيث يتوجب اشتراك الفصين الجبهيين frontal lobes من المخ في العمل، ويبدو أن القشرة الحزامية الأمامية، وتوجد في مقدمة المخ، تلعب دورًا حيويًا في هذه العملية. وعلى أية حال، فمن المؤكد أنه ليست هناك آلية واحدة بسيطة مكتنفة في جعل النشاط العصبي أمرًا واعيًا، لكنها تبدو مسألة درجات؛ فيصبح الشيء واعيًا بقوة عندما يتم تعزيز جميع أوجه معالجته- لذا فهناك الكثير من عمليات الإطلاق العصبي المتناسق، والكثير من العمل تقوم به المنطقة قبل الجبهية في المخ.
ولا زال العلماء الذين يسعون وراء المترابطات العصبية للوعي يأملون في أن يتمكنوا في النهاية من العثور على آلية أكثر تحديدًا لفهم عملية الوعي. لكن الشعور يتزايد بأن الوعي (كما ظل الكثير من العلماء يعتقدون منذ زمن طويل) ما هو إلا محصلة عمل المخ، أي أعلى نقطة في كم من النشاط العصبي.
ميكانيكا الكم
إلى جانب العلماء الوقورين الذين يسعون وراء المترابطات العصبية للوعي، والذين كثيرًا ما يحضرون نفس المؤتمرات العلمية، نجد مجموعة مختلفة تمامًا من الباحثين في مجال الوعي؛ فأولئك العلماء يشعرون بأن الوعي شيء مميز، وفريد، للغاية، بحيث لا يمكن أن يكون مجرد حاصل للكثير من العمليات المخية. فلابد من وجود ثمة وسيلة سحرية فريدة لتفسير كيف يمكن لكتلة من المادة الخاملة أن تضيء بما نعرفه بالوعي. يقترح البعض تفسيرًا شموليًا يقول بأن لكل مادة جانبًا شخصانيًا، أو عقلًا بدائيًا proto-mind، وأن أمخاخنا تقوم بتركيز كمية كافية من هذه المادة تتيح لها الظهور؛ بينما يعتقد آخرون أن العقل قد يكون حقلاً كهرومغناطيسيًا منعكسًا تولده العصبونات النشطة. لكن أكثر النظريات شيوعًا لهذا المعسكر هي أن غموض الوعي يجب أن يكون مرتبطًا بصورة مباشرة بأسرار ميكانيكا الكم Quantum mechanics. قام أصحاب نظريات ميكانيكا الكم بتأليف قصص محبوكة للغاية حول كيف أن التركيب الداخلي للعصبونات يمكنه أن يسخِّر التأثيرات الكمية لإنتاج حالات من الترابط المنطقي التي تشمل كافة أجزاء المخ. وهنا يمكن أن يكون الوعي نتيجة لدخول عدد هائل من الخلايا في حالة من التراكب الكمي quantum superposition.
وتتمثل المشكلة الكبرى بالنسبة لأصحاب تلك النظريات في أن حالات الترابط المنطقي العيانية macroscopic لا يعقل أن تحدث في المخ الحار والرطب. وعلى أية حال، فبدعم من بعض العلماء البارزين، مثل عالم الرياضيات بجامعة أكسفورد- آرثر بينروز، أصبحت تلك المقاربة الكمية معروفة بالقدر الذي يمكن معه اعتبارها بديلاً رسميًا للنظريات الرصينة المتعلقة بالمترابطات العصبية للوعي. لكن أسلوبًا جديدًا بدأ يظهر مؤخرًا، فبدلاً من السعي لتفسير الوعي من حيث وجود ثمة آلية معينة - سواء كانت تلك نظرية عادية متعلقة بعلم الأعصاب، أو غير عادية متعلقة بالفيزياء- تحاول هذه المقاربة التعامل مع الوعي كمثال لنمط أكثر عمومية من العمليات البيولوجية. وعلى سبيل المثال، فإن نظرية التكوّن الذاتي autopoiesis، أو الشبكات التي تتعرف على ذاتها، والتي وضعها عالمان بالأعصاب من تشيلي هما هومبرتو ماتورانا وفرانسيسكو باريلا، تفترض أن الوعي ما هو إلا حالة مكثفة بصورة خاصة من العملية البيولوجية الأكثر عمومية للإدراك cognition. فالحياة نفسها عبارة عن فعل إدراكي، أي معرفة العالم والاستجابة له. وتمثل الجينات فهمًا لنوع الجسم الذي يمكنه التكيف مع العالم المحيط به. كما أن للجهاز المناعي طرقًا خاصة للتفريق بين ما هو ذاتي مما هو غريب، وبالتالي يمكن أن يكون الوعي مجرد تحسين إضافي للمبدأ البيولوجي الأساسي. ويتمثل أمل أولئك الباحثين الذين ينتهجون مقاربة «الأنظمة» هذه، في أن يتمكنوا في النهاية من تطوير نموذج رياضي عام للإدراك- مثل ذلك الذي تم وضعه بالنسبة لعملية التطور، وبعدها سيكون من السهل الربط بين جميع المتباينات المختلفة، لكن ذلك أمر لا يزال في مهده، وفيما يتعلق بالعلماء، فإن مشكلة الوعي هي أبعد ما تكون عن أن تكون قريبة الحل.
الآمال الكبرى
ما هي أكثر الحقائق المتعلقة بالمخ غرابة؟... ربما كانت تلك هي كونه لا يتصل سوى قليلاً جدًا بالعالم الخارجي! فلا يزيد عدد الألياف العصبية التي تجلب الإشارات الحسية إلى المخ عن بضعة ملايين، وهناك بضعة ملايين أخرى تحمل الأوامر العصبية خارجًا من المخ؛ وبالتالي فإن واحدة فقط من بين عدة آلاف خلية مخية هي التي لها اتصالات مباشرة مع العالم الخارجي، بينما تتصل البقية الباقية بعضها ببعض فقط! وتفسير ذلك هو أن المخ يعمل من خلال ابتكار صورته المعروضة الخاصة به لما هو «موجود بالخارج»؛ وهو نموذج واع مشرب بالنوايا والتوقعات. وبعد ذلك لا يحتاج المخ إلا إلى شعاع رفيع نسبيًا من المعلومات المحدّثة لاستمرار هذا النموذج. وتتم معالجة هذا التيار الرقيق من المعلومات الحسية في دورة للوعي.
خرافات حول المخ البشري
الخرافة رقم 1: «نحن نستخدم عُشر أمخاخنا فقط»: ظهرت هذه الخرافة في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما قام جراحو المخ والأعصاب بوضع إلكترودات كهربية على المخ الحي أثناء العمليات الجراحية على المخ، ووجدوا أجزاء كبيرة منه «صامتة» - ولم يقرر المرضى الشعور بأي إحساس معين كنتيجة لهذا التنبيه. لكن الطرق الحديثة لتصوير المخ أظهرت أن جميع أجزاء المخ تتوقد بالنشاط طوال الوقت.
الخرافة رقم 2: «نصف المخ الأيسر متخصص في التفكير المنطقي، بينما يتخصص النصف الأيمن في التفكير الإبداعي»: هناك قدر ضئيل من الحقيقة في هذه الخرافة، إذ إن هناك تجانب lateralization واضح في الطريقة التي يعمل بها المخ؛ فنصف الكرة المخي الأيسر بارع في التركيز على التفاصيل والمتواليات، بينما يتخذ النصف الأيمن رؤية أعرض، وأكثر ارتباطًا بسياق الموضوع. لكن عند التفكير الفعلي، دائمًا يتم تشارك نصفي المخ في العبء.
الخرافة رقم 3: «جميع أمخاخنا لها نفس الجغرافية»: في حقيقة الأمر أن لكل مخ طابعًا متفردًا مثل الوجوه أو بصمات الأصابع. وتمثل هذه مشكلة حقيقة لجراحي المخ والأعصاب، إذ إن المراكز المخية المتعلقة باللغة وغيرها من المراكز الحيوية، قد تتباين كثيرًا في الموقع والحجم. وعلى سبيل المثال، فقد تكون القشرة البصرية الرئيسية في مخ شخص ما أكبر بثلاث مرات من مثيلتها في شخص آخر.
خرافة رقم 4: «استعملها أو افقدها»: إن اكتشاف كون الرضع تنمو لديهم اتصالات عصبية أكثر بكثير مما يحتاجون إليه بالفعل خلال السنوات الأولى من العمر، قد أدى إلى ظهور خرافة الدفيئة Hothousing - وهي فكرة أن التنبيه الشديد سيحافظ على الاتصالات «الإضافية»، لكن إزالة الاتصالات الفائضة يعد خطوة ضرورية لصنع سبل مخية فعالة.
نمو المخ رحلة طولها 20 سنة
حديث الولادة Newborn: عند الولادة، يزن المخ 400 جرام، ويكون المخ الأدنى - المسؤول عن السلوك الغريزي- تام الاكتمال، لكن عصبونات القشرة المخية، أي نصفي كرة المخ المليئتين بالتجاعيد والتلافيف، واللتين تمثلان المخ الأعلى، لديهما القليل فقط من الاتصالات الفاعلة.
الرضيع Baby: خلال السنة الأولى من العمر، تتفرع من القشرة المخية ملايين من الاتصالات المشبكية في كل ثانية، مع تعلم الرضيع من تجاربه وخبراته. ويتضاعف وزن المخ مع تطوير القشرة المخية للخلايا الداعمة الإضافية، واللازمة لتغذية وحماية العصبونات التي أصبحت مشغولة الآن.
الدارج Toddler: مع تنامي معرفة الدارج بالعالم المحيط به، ينخفض عدد الاتصالات المشبكية بين العصبونات. وينخفض عددها إلى النصف لجعل السبل العصبية أكثر فعالية. لكن الوزن الإجمالي للمخ يستمر في الازدياد ليصل إلى 1100 جرام
الطفل Child: يحتوي مخ الطفل في سن المدرسة على جميع اتصالاته فاعلة، ويتم الآن تعزيزها بواسطة تكون غلاف حولها من مادة الميالين- وهي عملية تعرف بالميلنة myelinization؛ إذ تنمو مادة عازلة دهنية حول الألياف العصبية لضمان وجود اتصال جيد بين جميع مناطق المخ.
المراهق Teenager: وصل وزن مخ المراهق إلى حجمه النهائي في البالغين، وهو 1300-1400 جرام، لكن المراكز القشرية الأعلى، وخصوصًا الفصين الجبهيين frontal lobes، والمسؤولين عن التخطيط والفكر الاجتماعي، يتعرضان لفورة أخيرة من تطور المشابك العصبية.
البالغ Adult: عند بلوغ سن العشرين، تكتمل جميع الاتصالات العصبية في المخ. وقد كان علماء الأعصاب في الماضي يعتقدون أن مخ الإنسان يبدأ في التدهور منذ ذلك العمر، لكن الاكتشافات الحديثة أظهرت أن المخ يمكنه بعد ذلك العمر أن ينمي عصبونات جديدة في بعض الأحيان؛ وبالتالي فإن التدهور العقلي لا يكون حتميًا مع التقدم في العمر إلا عند وجود مرض فعلي في المخ.
هل تعلم؟
يحتوي المخ على 80% ماء، و10% دهونًا، و8% بروتينًا، بينما يتكون الباقي من الكربوهيدرات، والأملاح، والمعادن الأخرى.
- تقوم الأعصاب الكبيرة في الجسم بتوصيل الإشارات العصبية بسرعة تقترب من 400 كلم/ ساعة، لكن أغلب النقل العصبي في المخ يتم بسرعة بطيئة لا تزيد على 20 كلم/ ساعة.
- عند فرد جميع ثناياها وتلافيفها، يمكن للقشرة المخية البشرية أن تصنع ملاءة من المادة الرمادية تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة الصفحة العادية قياس A4
- يطلق المخ البشري كمية من الطاقة تكفي لإضاءة لمبة خافتة.
- برغم كونه لا يمثل أكثر من 2% من وزن الجسم، إلا أنه يستهلك نحو 20% من إمدادات الأكسجين والجلوكوز للجسم.
- يحتاج المخ لبعض الوقت لإدراك العالم المحيط به؛ فالعداؤون المشاركون في سبق لا يمكنهم الاستجابة لطلقة البدء قبل مضي نحو ثمن الثانية، ويستغرق الأمر ما لا يقل عن نصف ثانية للاستجابة لأي شيء غير متوقع.
- عندما تكون نائمًا، لا يتوقف مخك عن التفكير؛ فالأشخاص الذين يتم إيقاظهم في منتصف الليل يذكرون تأملات مشوشة ومبهمة؛ لكن الذاكرة تكون معطلة بحيث لا يتم تذكر أي شيء منها في العادة.
- يقول واحد من بين كل 20 شخصًا (أغلبهم من النساء) أن لديهم تخيلات ذهنية مفعمة بالحيوية - أي أن أحلام اليقظة الخيالية لديهم تبدو واقعية كالحقيقة.
- في واقع الأمر، تعتبر العين جزءًا من المخ؛ فبينما تنمو أعصاب أعضاء الإحساس الأخرى لتلتقي بالمخ، تتكون شبكية العين من بروز خارجي من نسيج المخ.
- يمتلك البشر أكبر الأمخاخ مقارنة بوزن أجسامهم؛ لكن عندما نتحدث عن الوزن، يبلغ وزن مخ الفيل أربعة أضعاف مثيله في الإنسان، بينما يبلغ مخ الحوت الأزرق خمسة أضعاف وزن المخ البشري.
ما هو اللاوعي؟
هناك وجهتا نظر بخصوص العقل اللاواعي؛ فقد ساعد سيجموند فرويد Freud على اشتهار فكرة أن اللاوعي ما هو إلا ضرب من النفس السرية- أي جزء مكبوت من أكثر الغرائز البهيمية الأساسية. وقد أطلق على هذه القوة المظلمة، وغير المنطقية والتي لا يمكن التعبير عنها، اسم « الهذا « Id»؛ أما «الأنا ego» فهو الجزء المدرك والعقلاني للعقل، والذي يحاول كبت مشاعر العنف والجنس التي تجيش في أعماق اللاوعي، لكن قوة الهذا قد تجد لها متنفسًا في الخيال أو في صورة مخفية كإشارات واعية غريبة.
أما اليوم، فأغلب الأطباء النفسيين وعلماء الأعصاب ينظرون إلى نظرية فرويد بأنها محض هراء تأريخي مسل، فهم يرون اللاوعي- ببساطة- كمزيج من عواطفنا وعاداتنا - أي أنشطة المخ التي لا نتحكم بها بعقلنا الواعي؛ فهناك العديد من الرغبات الغريزية الموجودة فطريًا في المخ، ثم تقوم التجربة بصنع مجموعة من العادات والمهارات، أي أفعال مثل القيادة، والمضغ، والحديث، وهي تصبح «مثبتة» في المخ بفعل الممارسة، بحيث نمارسها بصورة «لاواعية»، دون الحاجة للانتباه الواعي الدقيق.
تم إضافته يوم الثلاثاء 10/03/2009 م - الموافق 14-3-1430 هـ الساعة 10:50 صباحاً
شوهد 4775 مرة - تم إرسالة 3 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 3.91/10 (263 صوت)



Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.almarefh.org - All rights reserved


الصور | أعداد المجلة | المنتديات | الرئيسية