قلما نقف ونتساءل عن ماهية كثير من الأشياء التي تبدو من البدهيات من حولنا والضوء واحد من تلك المسلّمات أو البدهيات أو قل «المعتادات» التي ننعم بها دون سؤال عنها. ما هو الضوء؟!حاول الإجابة عن هذا السؤال عالم الرياضيات الإنجليزي الشهير «اسحق نيوتن» (1642 ـ 1727م)، فأجرى في عام 1666م أول تجربة علمية لمعرفة ماهية الضوء. وكانت التجربة ببساطة عبارة عن تمرير حزمة من أشعة الشمس خلال منشور زجاجي. ولدهشة «نيوتن» فإن الضوء الخارج من المنشور لم يكن إلا مجموعة زاهية من الألوان، هي الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي.
بالترتيب المذكور نفسه.والواضح من هذه التجربة أن الضوء الأبيض مكون في الحقيقة من مجموعة من الألوان، أطلق عليها اسم «ألوان الطيف» "spectrum". ولكن التجربة ونتائجها لا تكفي للإجابة عن السؤال: ما هو الضوء؟ لذلك افترض «نيوتن» أن الضوء مكون من جسيمات (جزيئات) دقيقة، تنتقل في خطوط مستقيمة!وفي عام 1675م، تقدم عالم الفيزياء الهولندي «كريستيان هجينز» (1629ـ 1693م) بتفسير جديد للضوء، فقال إن الضوء مكون من موجات، وإن موجات الضوء لها أطوال مختلفة، بدليل تفرقها إلى مجموعة من الألوان عند تمريرها خلال منشور زجاجي ـ كما في تجربة «إسحق نيوتن»ـ. لكن هذا الافتراض لا يفسر لماذا ينتقل الضوء في خطوط مستقيمة، ولا يبين كيف يمكن لموجات الضوء أن تنتشر من الشمس إلى الأرض عبر الفراغ، علمًا بأن الموجات يلزمها وسط لكي تنتقل خلاله!وبقيت محاولات تفسير الضوء مجرد افتراضات، إلى عام 1801م، حين أجرى الفيزيائي البريطاني «توماس يونج» (1773ـ 1829م) تجربة بسيطة، قام خلالها بتمرير شعاع ضيق من الضوء عبر حاجزين تفصلهما مسافة صغيرة، وفي كل حاجز ثقب صغير، بحيث يمر الضوء من الثقوب إلى شاشة خلف الحاجزين. وفي هذه التجربة البسيطة، فإن الضوء الساقط على الشاشة كان ناصع البياض تارة، وخافتًا تارة أخرى، وهكذا بالتناوب. ولا يمكن حدوث هذه الظاهرة إلا إذا كان الضوء فعلاً ينتقل على هيئة موجات. ويكون التفسير في هذه الحالة أن الموجات التي تتفق أطوالها يعزز بعضها بعضًا، ويؤدي ذلك إلى ضوء ناصع؛ تمامًا كما تلحق إحدى موجات البحر بموجة أخرى فتعززها إذ تمتزج بها، وتصبح الموجتان معًا موجة واحدة أقوى! أما إذا اختلفت أطوال موجات شعاع الضوء، بحيث يتضارب بعضها مع بعض، فإن ذلك يؤدي إلى ضوء باهت (خافت)، تمامًا كما تلتقي موجة من البحر مع موجة مرتدة عن الشاطئ فتضعف إحداهما الأخرى!وعلى ذلك، يكون الإنجليزي «توماس يونج» تمكن من إثبات أن الضوء ينتشر على هيئة موجات في خطوط مستقيمة. وقد قام «يونج» كذلك بحساب أطوال موجات الضوء، فوجدها تتراوح بين 750 نانومترًا (للأشعة الحمراء) و390 نانومترًا (للأشعة البنفسجية). و«النانومتر» "nanometre" وحدة لقياس الأطوال المتناهية في القصر، وهي تساوي جزءًا من ألف مليون جزء ينقسم إليها المتر الواحد (أي 10ـ9م). وتكتب اختصارًا بالحرفين «نم» "nm" مثلما يختصر المتر إلى الحرف «م».وأطوال موجات الضوء ثابتة لا تتغير. وقصر أطوال الموجات هو السبب في أن الضوء ينتقل في خطوط مستقيمة. وجدير بالذكر أن موجة الضوء تسمى «موجة عرضية» (أو مستعرضة) "transverse"، إذ تتذبذب يمينًا ويسارًا بزاوية قائمة، بينما تمضي إلى أمام.ثم اكتشف أن الضوء هو الجزء من «المجال الكهرومغناطيسي» (كهربي مغناطيسي) الذي يمكن رؤيته. و«المجال الكهرومغناطيسي» "electromagnetic spectrum" مكون من موجات، أطولها موجات الراديو وأقصرها أشعة جاما. وبين هذه وتلك تقع موجات الضوء.وسرعة الضوء هائلة، إذ ينتشر بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة (300.000 كم/ث). وهذا هو السبب في أن الظلام يسود فورًا حالمًا تطفئ مصباحًا في مكان مغلق، والعكس صحيح. ومن خصائص الضوء العجيبة أن سرعته ثابتة بغض النظر عن حركة الناظر إليه. فإذا كنت مسافرًا في سيارة في أثناء الليل، وكانت هناك سيارة أخرى قادمة نحوك على الطريق، فالمفروض أن تكون سرعة ضوء السيارة القادمة نحوك هي مجموع سرعة سيارتك وسرعة السيارة الأخرى. ولكن الحقيقة أن سرعة الضوء ثابتة، بغض النظر عن سرعة سيارتك وسرعة السيارة الأخرى!وعلى الرغم من اكتشاف هذه الخصائص الكثيرة للضوء، فإن الضوء في حد ذاته بقي غير معروف، وبقي السؤال «ما هو الضوء؟!» بغير جواب، إلى أن لوحظ أن الضوء إذا سقط على معدن فإنه يؤدي إلى سخونة سطحه. ومعنى ذلك أن الضوء طاقة، وأن انتقال طاقة الضوء إلى المعدن هو الذي يؤدي إلى سخونة المعدن.صاحب تلك الملاحظة هو الرياضي والفيزيائي الشهير «ألبرت آينشتين» (1879ـ 1955م). وهو الذي أجاب عن السؤال: ما هو الضوء؟ بأن الضوء وحدات من الطاقة! وعلى هذه الوحدات أطلق اسم «فوتونات» "photons". (المفرد «فوتون»، مثل «إلكترونات» و«إلكترون»). ولهذا التفسير، استحق «آينشتين» جائزة نوبل في الفيزياء.والطريف أن ملاحظة «آينشتين» التي أدت إلى اكتشاف ماهية الضوء، تشبه تمامًا ملاحظة «نيوتن» التي أدت إلى اكتشاف الجاذبية الأرضية. فقد سقطت ملايين ثمار التفاح إلى الأرض قبل «نيوتن»، ولكنه الوحيد الذي انتبه إلى سر حركة التفاح إلى أسفل، من الشجر إلى الأرض، والشيء نفسه يقال عن تسخين الضوء للمعادن.من مجموع ما تقدم، فإن الضوء يمكن تعريفه كما يلي:«الضوء وحدات من الطاقة ذات أطوال موجات قصيرة، تنتشر في خطوط مستقيمة بسرعة ثابتة مقدارها 300.000كم/ث، وهو الجزء المرئي من المجال الكهرومغناطيسي»
تم إضافته يوم الجمعة 26/06/2009 م - الموافق 4-7-1430 هـ الساعة 4:14 مساءً