آفــــــاق العدد 126 / الفيزيائيون يتفوقون على الكيميائيين والمهندسون يستعلون على الأطباء وعلماء النفس والاجتماع يكابدون لملاحقة الركب! أزمة في عطاءات العلوم
العدد 126 / الفيزيائيون يتفوقون على الكيميائيين والمهندسون يستعلون على الأطباء وعلماء النفس والاجتماع يكابدون لملاحقة الركب! أزمة في عطاءات العلوم
خالد عبدالله الخميس ❊-الرياض :
لقد قدم العلماء في العقود الماضية على اختلاف تخصصاتهم إنجازات علمية مهولة ورائعة تنصب كلها في هدف واحد هو خدمة الإنسان والرقي بمعيشته على كافة الأصعدة. ولقد تطورت المعرفة الإنسانية لمراتب عالية حتى نشأ من التخصصات العامة (فيزياء، كيمياء، أحياء، علم نفس، إدارة...إلخ) تخصصات أخرى فرعية مستقلة. وتلك الفرعية ذاتها نتج منها تخصصات فرعية أخرى ولا زالت المعرفة الإنسانية بين وقت وآخر تواصل نتاجها في سلسلةمن العطاءات التي لا تتوقف ولا تنضب.
وهناك قضية جديرة بالتأمل وهي التباين في مستويات الإنجازات بين مختلف التخصصات. فتجد أن بعض التخصصات قد قفزت إلى القمة وقامت بتوظيف إمكاناتها لحل شامل لكل المشاكل التي يستهدفها ذلك التخصص، بينما تجد أن تخصصات أخرى لا زالت في طور التنظير ولم ترق بعد إلى مستوى تطبيقي يقدم خدمات تطبيقية عملية للإنسان تقتلع شيئًا من مشاكله. ولكن منزلة السواد الأعظم للتخصصات الحالية هي منزلة بين منزلتين، فقدمت الكثير من الحلول وينتظرها الكثير.
فعلى سبيل المثال عند مقارنة الإنجازات التي قدمها الفيزيائيون بالإنجازات التي قدمها الكيميائيون نجد أن هناك بونًا شاسعًا بين إنجازات كل منهم. فمعظم الأسئلة التي تساءلها الفيزيائيون قد أجابوا عنها ومعظم الإنجازات المطلوبة منهم قد حققوها خصوصًا في المجال التطبيقي. وبالمقابل بقي عدد من المعضلات في الجانب الحيوي الكيميائي تنتظر حلولًا كيميائية. وفي جانب العلوم الإنسانية نجد أن هناك تراكمات عديدة من المعضلات تنتظر حلولًا لها.
وقبل أن أستعرض ملخصًا موجزًا للإنجازات التي قدمتها بعض التخصصات الرئيسية أود التأكيد أن هذه المقالة لم تكتب بوصفها وصية وقيمة على جميع التخصصات بل بوصفها تمثل مراجعات سريعة لما يدور بخلد رجل الشارع العادي تجاه موقفه من العروض والحلول التطبيقية التي صدرتها له التخصصات العلمية الحديثة والتي تبدي فيما بينها تفاوتًا مختلفًا في مستوى الخدمات المقدمة للإنسان. إن رجل الشارع – الإنسان- لا يأبه بما في بطون الكتب العلمية والأبحاث الدورية من علوم وفلسفات وإنما يؤمن بما يراه بأم عينه من خدمات مفيدة تزرعها له أحد تلك التخصصات.
نواتج الفيزيائيين
لقد قدم الفيزيائيون خدمات إنسانية جمة يلمس أثرها كل انسان يعيش على وجه البسيطة مهما كان موقعه ومهما كان دخله الاقتصادي.
فمن خلال ما قام به الفيزيائيون من معرفة دقيقة لتركيب الذرات وتفسير لكثير من الظواهر الفيزيائية قاموا أيضًا بالإفادة من تلك الكشوفات في تطبيقات صناعية في مجالات مختلفة. فمن خلال فلسلفة الموجات الكهرومغناطيسية ظهرت تطبيقات مختلفة كالمصباح الضوئي والتصوير بالأشعة السينية والرادار والميكرويف والراديو والتلفزيون(١). كما ظهرت بفضل نواتج الفيزياء العديد من الأجهزة المعقدة سواء كانت ميكانيكية أو إلكترونية وغيرها إلى أن وصلت الأمر إلى عصر أجهزة ما بعد الصاروخ.
وتعجب من شدة عزم الفيزيائيين ومثابرتهم حيث لا يكتفون بإثبات البرهان النظري للظاهرة الفيزيائية بل يسعون جادين لتحويل الفكرة النظرية إلى واقع ملموس. فعلى سبيل المثال لم يكتفوا أن تعرفوا على أن الذرات تتألف من نواة وإلكترونات سالبة الشحنة تدور في مدارات حول النواة. ولم يكتفوا أن تعرفوا على أن النواة تتألف من جسيمات غير مشحونة أسموها بالنيوترونات وأخرى موجبة الشحنة أسموها بالبروتونات. ولم يكتفوا أن تعرفوا على أن هناك طاقة تربط البروتونات بعضها ببعض بالرغم من تماثل شحناتها. ولو يكتفوا أن تعرفوا على أن مقدار قوة التربط هذه أكبر بكثير من قوة التنافر الكهربائي. لم يكتفوا بهذا التنظير كله بل فكروا بوسيلة لفك طاقة الترابط هذه فعمدوا إلى صناعة المفاعلات النووية(2) وقاموا بالفعل بشطر النواة وقياس القوة النووية الصادرة عن انشطار النواة. ومن هنا جاء العمل على تحضير القنبلة النووية التي طاقتها تعادل مليون ضعف الطاقة المنبعثة من تفجير الديناميت.
الحاصل أن الفيزيائيين لا يقتنعون بالإثبات النظري للظاهرة الفيزيائية مثل ظاهرة القوة النووية بل يتعدى الأمر للعمل التجريبي ليؤكد هذا الأمر. وتعجب كثيرًا أنهم عندما قاموا بهذا كله لم يكونوا قد شاهدوا الذرة أصلًا إلا أنهم استطاعوا أن يرسموا شكلها وهو أمر يعكس حقيقة ما يتمتع به الفيزيائيون من قدرة تخيلية وذهنية عالية.
ومما يفتخر به الفيزيائيون أنهم قاموا بإنشاء عناصر جديدة لم تكن موجودة أصلًا في الطبيعة. ومن أبرز تلك العناصر التي صنعها الفيزيائيون تكنتيوم (عدده الذري43) ونيبتونيوم (ع=93) وبلوتونيوم (ع=94) وأمريكونيوم (ع=95) وكوريوم (ع=96) وبريكيليوم (ع =97) وواصلوا في التصنيع حتى صنعوا مؤخرًا عنصر العدد الذري(3) 110 وعنصر العدد الذري 111 وعنصر العدد الذري 112 وهم الآن يعكفون على صناعة عنصر 113 وعنصر 114. ونتيجة لأن بعض تلك العناصر لها مجالات تطبيقية فقد صنع منها أعداد كبيرة من الذرات. فلقد أنتج من عنصر البلوتونيوم(4) المستخدم في المفاعلات الذرية 10 30 ذرات، أي ما يعادل ما وزنه ألف طن(5). وبيت القصيد أن الفيزيائيين أصبحوا من القدرة بمكان إنشاء عنصر من عنصر آخر فيحضر عنصر النيون من عنصر الصوديوم ويحضر عنصر النيكل من عنصر الكوبلت(6).
ولقد خاض الفيزيائيون في جوانب نظرية معقدة فحاولوا من خلال ميكانيكا الكم Quantum Mechanics توحيد القوى الذرية الثلاثة (القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة) من خلال إيجاد صياغة عامة تشترك في نظمها تلك القوى. كما قاموا من خلال قوة الجاذبية والنسبية بتفسير النظام الذي تسير عليه الكواكب والأجرام.
ولقد حق للفيزيائيين أن يتنفسوا الصعداء بعد عجلة سريعة من العطاء الدائم. وفي الوقت الحالي انحصر دورهم في جوانب نظرية وأخرى تطورية لما هو مكتشف في الأساس. وحق لأحدهم أن يحلم ببزوغ فجر اليوم الذي تخرج آخر نظرية فيزيائية كما عبر عن ذلك العالم الفيزيائي وينبرق Weinberg في كتابه أحلام النظرية النهائية Dreams of a final theory أنه سيأتي يوم يتمكن للعلماء فيه من جمع شتات القوى الفيزيائية الأربعة (القوى الذرية الثلاث مع قوة الجاذبية) تحت مظلة واحدة موحدة.
وبالرغم من الجهود البراقة لإنجازات الفيزياء إلا إنه ينبغي ألا يغفل الدور الخفي الذي تلعبه الرياضيات كأداة ضبط للمقاييس الفيزيائية والتي من خلال المعادلات التي ينتجها الرياضيون توصل الفيزيائيون إلى إيجاد حسابات هامة تحسب مثلًا سرعة الصوت وسرعة الضوء ووزن البروتون ووزن الإلكترون وغيرها من المقاييس الدقيقة.
وقبل أن يقلد الفيزيائيون وسام الشرف ويلبسوا عقد التقدير ويعطوا شهادة عرفان ينبغي أن لا تُبرأ ساحة الفيزيائيين تمامًا فلا زال الإنسان لم ينس ما قدمه الفيزيائيون من كشوفات تدميرية ساهمت في تحطيم الإنسان وزيادة ويلاته. ويظهر هذا جليًا من خلال اختراع القنبلة الذرية ومصائبها المرعبة في هوريشيما ونجازاكي. كما لا ننسى كارثة الإشعاعات النووية المتسربة من المفاعل الروسي تشرنوبل الذي قضى على كثير من الأرواح. ولا ننسى كوارث المخالفات النووية التي لا زالت السفن المحملة بها تجوب البحار فتطرد من الاقتراب من حدود بعض الدول في الوقت الذي يلوح مرحبًا بمقدمها دول أخرى وللأسف الشديد.
نواتج المهندسين
تمثل الهندسة في الأساس الجانب التطبيقي لنواتج علم الفيزياء فلقد توصل المهندسون من خلال ما قرره لهم الفيزيائيون من قوانين المادة إلى تصميم العديد من الأجهزة التي تخدم الإنسانية.
إن العصر الحديث يشهد ثورة صناعية جبارة ثمرتها تعداد فائق من منتوجات لتصميم الأجهزة والآلات كان بطلها أعدادًا غفيرة من المهندسين. لقد خطى المهندسون خطوات متسارعة في تطوير أداء السيارات والطائرات والرافعات والبرادات والسخانات والردايوات والتلفزيونات والهواتف والحاسوبات والأجهزة الطبية وعدد كبير من الأجهزة التي يصعب حصرها(7). كما قاموا بإنشاء العديد من الناطحات والجسور وغير ذلك من المنشآت الضخمة.
وأكثر من هذا فلقد أصبح النوع الواحد من الصناعات يطور كل سنة بطراز جديد فتسمع عن موديلات في كل عام جديد سواء في عالم السيارات أو عالم الحاسوبات وسائر الأجهزة الكهربائية والميكانيكية. والآن أصبح شغل المهندسين الشاغل هو البحث عن المشكلة فقط، أما عمل التصميم الذي يحل تلك المشكلة لم يعد يشكل مشكلة. الأمر الوحيد الذي يقف عثرة أمام المهندسين من المواصلة في عمل الاختراعات والتصاميم هو جانب يتعلق بالجدوى الاقتصادية.
والواقع أن الهندسة لم تكن متوقفة على نواتج علم الفيزياء بل إن لها حظًا آخر من علم الكيمياء، فظهرت لذلك تخصص الهندسة الكيميائية وهندسة النفط من جانب هندسي لتتضافر جهودهم مع الكيميائيين المختصين في الكيمياء الصناعية للعمل بشكل مشترك في تصميم وإنشاء محطة تحلية ماء البحر ومصانع البتروكيماويات والبلاستيك وغيرها.
وإن كان من لوم يوجه إلى المهندسين فهو أمر ينحصر في تصنيعهم لأجهزة الدمار والتصنت وغيرها من الأجهزة المتسببة في أذية الإنسان. ومن جانب آخر فلا ننسى أن الزخم الهائل من الأجهزة يساهم في زيادة مستوى الرفاهية وزيادة أوقات الفراغ وبالتالي تعزيز سلوك الكسل لدى الإنسان.
نواتج الكيميائيين
إذا التفتنا للدور الذي يقوم به الكيميائيون فإن هناك العديد من الإنجازات الجبارة التي تمت، فلقد أمكن التعرف على العناصر الكيميائية وطبيعة الروابط التي تربط بين تلك العناصر لتؤلف المركبات. كما أمكن معرفة كيف تتشكل تلك المركبات بل وكيف يمكن تحضير العديد من المركبات في المعمل. ويشكر الكيميائيون على ما قاموا به من جهود ملموسة لخدمة البشرية من خلال تحضير العديد من المركبات الكيميائية المستخدمة في التطبيقات الصناعية والعلاجات الدوائية. وإذا ما نظرنا مثلاً إلى ما أنتجته الكيمياء من خلال التحضيرات البتروكيميائية نجد أنها مستحضرات لا تعد ولا تحصى، يكفيك منها تلك الأنواع المتعددة من قائمة لا نهائية من المنتوجات البلاستيكية (أو اللدائن كما عربها أهل اللغة).
ولقد وسع الكيميائيون علمهم وفرعوا منه علومًا متعددة بل إن كل علم جديد فرعوا منه علومًا أخرى. فعلى سبيل المثال تفرع من علم الكيمياء علم الكيمياء الحيوية وتفرع من الكيمياء الحيوية علم الجينات(8) الذي يمثل الصيحة العلمية الحالية.
وبالرغم من هذا فهناك العديد من الإنجازات التي لم تتم بعد ولا زالت قيد الدراسة.
هناك العديد من المركبات الكيميائية العضوية لم يتم تحضيرها في المعمل فجانب كبير من المواد العضوية الحيوية كالهرمونات والإنزيمات ومركبات أخرى بروتينية لا زالت تركب بنفس الطريقة التي تركب منها في الجسم. فمثلًا لا زلنا نستورد مادة الأنسولين من أحشاء الحيوانات وبطون البكتيريا ونستخلصها بطريقة تشابه الطريقة التي يتم بها تحضيرها في الخلية. والحاصل أن مادة الأنسولين الموجودة في السوق لم تحضر بطرق صناعية بحتة من خلال إجراء تفاعلات كيميائية في المعمل. وعلى افتراض أنه تم تحضير الأنسولين في المعمل فإن تلك المادة لن تكون بنفس الهيئة الموجودة في الأصل هذا بالإضافة إلى أن تحضيرها يتطلب جهدًا جهيدًا لا يقدر.
والأمر لا يقتصر على مادة الأنسولين وحدها بل إن جميع المركبات البروتينية تندرج تحت هذه القاعدة إذ لا زالت تلك المواد تحضر بنفس الأسلوب الذي يتم به تحضيرها في الخلية(9). لا شك أن هذا العجز عند الكيميائيين لتطوير أسلوب جديد يتفوق على أسلوب الخلية في صنع البروتينات يؤكد تفوق الفيزيائيين الذين ذللوا الذرة وتلاعبوا بها.
أمر آخر لم ينته الكيميائيون من إنجازه هو تحليل مفصل لتركيبة الإنسان كيميائيًا بأعضائه وأنسجته إذ لا زالت التراكيب الكيميائية التي أمكن التعرف عليها في جسم الإنسان مشتتة هنا وهناك. وأقل من هذا تعقيدًا فلا زالت تركيبة الخلية على المستوى الكيميائي لم تكتمل بعد. فكل ما هو موجود عن الخلية هو رسمها بناءً على أشكال العضيات والجسيمات التي تحويها الخلية. فلا زال الكيميائيون مدينين للعلم برسم منظومة من التراكيب الكيميائية تمثل شكلًا متكاملًا لبناء الخلية. والحق أن هذه اللوحة لا زالت في بداياتها، فالعلماء أوشكوا مثلًا على الانتهاء من المعرفة الكيميائية الدقيقة لأبرز مكونات الخلية وأهمها على الإطلاق وهي التي تعرف بالكروموسومات (الصبغيات) في مشروع استغرق بضع سنين وكلف الكثير من الدولارات. فإلى أن ينتهي هذا المشروع وتنتهي مشاريع التعرف على كل المركبات الكيميائية وتفاعلاتها ضمن إطار الخلية يمكن رسم صورة دقيقة جدًا للخلية لا تقتصر على تبيان عضيات الخلية فحسب بل تبين جميع التراكيب الكيميائية المكونة لبنية الخلية وآليات تفاعلاتها. لا شك أن لوحة مثل هذه ستكون أكبر لوحة عالمية قد تصل أبعادها إلى بضع كيلومترات مربعة. ولا شك أيضًا أن وجودها يمثل خط البداية لإمكانية النظر للإنسان على أنه جهاز ضخم يعمل فيه بلايين لا نهائية من تفاعلات المواد الكيميائية.
أمر آخر يدل على تفوق الفيزيائيين على الكيميائيين ما أصاب الكيميائيون من فشل ذريع في العثور على جملة من العناصر الكيميائية المفقودة من الجدول الدوري للعناصر الكيميائية -الذي وضعه ماندليف عام 1868م- بعد أن قاموا بجهد جهيد من التنقيب عنها بين الأدغال والصخور. ولذا استنجدوا بالفيزيائيين ليحلوا لهم تلك المعضلة فقام الفيزيائيون على التوء بتصنيع تلك العناصر معمليًا وإهدائها للكيميائيين ليضعوها ضمن عناصر الجدول الدوري. ومن أبرز تلك العناصر التي صنعها الفيزيائيون والتي سبقت الإشارة إليها(10): عنصر النيبتونيوم (وعدده الذري =93) والبلوتونيوم (وعدده الذري=94) وهكذا حتى وصلوا إلى صناعة العنصر ذي العدد الذري 112.
والحاصل أنه لكي يلحق الكيميائيون بركب الفيزيائيين فهناك قائمة لا بأس بها من والأعمال والكشوفات مدرجة في جدول أعمال الكيميائيين تنتظرهم. وحتى يتم الانتهاء من كتابة محاضر تلك الأعمال يمكن القول إن الكيميائيين يستحقون قسطًا كبيرًا من التصفيق المستمر.
نواتج الأطباء
لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي قام به الطب الحديث في اختفاء كثير من الأوبئة والأمراض السائدة في العصور السالفة. وإذا أردنا أن نهيب بأكبر خدمة قدمها الطب الحديث فهي تتمثل في مجال اللقاحات التطعيمية التي قضت على الإصابة بأمراض وبائية مثل الجدري وشلل الأطفال والسعال الديكي والحصبة والتهاب الكبد الوبائي والحمى الشوكية. وينبغي الإشارة إلى أن ما قدمه الطب لهذه النوعية من الأمراض يتمثل في إيجاد تلقيحات وقائية لتلك الأمراض وليس إيجاد أدوية علاجية لها. بمعنى أن الطفل -غير المطعم بلقاح شلل الأطفال- عندما يصاب بمرض شلل الأطفال فإن الأطباء يبقون مكتوفي الأيدي لعمل علاج له.
وأمر آخر محمود لا يمكن إغفاله هو دور الطب في المجال الجراحي إذ نجحوا نجاحًا باهرًا في استئصال كثير من الأورام والاختلالات العضوية. فأمكن القضاء على الزائدة الدودية والمرارة واللوز والبواسير وتجبير الكسور وعمل الجراحات التجميلية كما أمكن زراعة كثير من الأعضاء مثل الكلى والقرنية والقلب. هذا بالإضافة إلى الإنجازات الملموسة لطب العيون وطب الأسنان وغيرها من إنجازات طبية لا يمكن حصرها.
وبالرغم من كل هذا فيوجد العديد من الفجوات في عالم الطب لم ترمم بعد إذ إن هناك رزمة من الأمراض لا زالت تنتظر من يصلحها فليس هناك مثلًا علاجات فاعلة وحقيقية Genuine لعدد من أنواع الأمراض الفيروسية والأمراض الباطنية. فلا زلنا نسمع بمعاناة الناس مرض السكر ومرض الربو وأمراض القلب ومرض السرطان والبهاق والتهاب الكبد وشلل الأطفال والأمراض العصبية والأمراض النفسية الذهانية. بل لا زلنا لم نسيطر بعد على ما نظنه أنه أبسط الأمراض وهو ما يعرف بالإنفلونزا أو على الصحيح أنف العنزة كما كان يسميه أسلافنا العرب.
لا شك أن جميع تلك النوعيات من الأمراض لا زالت تشغل اهتمام الأطباء فطرحت كثير من النظريات العلاجية والأدوية والمسكنات لعلاج تلك الأمراض إلا أنه ينبغي الاعتراف بعدم وجود علاجات قاطعة وحقيقية Genuine. بل إن الاطباء أنفسهم يقرون بفشلهم في هذا ومن هنا جاءت تسميتهم لتلك الأمراض بالأمراض المستعصية لأن أمرها عصي عليهم.
وبالمختصر المفيد فهناك العديد من الثغرات التي لا زالت تشغل اهتمام الأطباء. فمن جانب هناك أمور تتعلق بوجود أمراض لم تعرف بعد أسبابها وأمراض أخرى لم يوجد لها علاج حقيقي. ومن جانب آخر لا زال هناك مشكلة تتعلق بصعوبة تشخيص بعض الأمراض إذ لا زلنا نسمع عن مرضى كانوا ضحايا لأخطاء في التشخيص وهو أمر راجع لاعتماد الطب على العمل البشري.
وما يؤكد تقدم المهندسين على الأطباء أنه ما فتئ الأطباء يستنجدون ويشحذون عطف المهندسين لتصميم أجهزة طبية دقيقة تطبق في مجال التشخيص الطبي والعلاج. ومن هنا فإنه لا زال الكثير والكثير من العطاءات تنتظر وتنتظر جهود الأطباء، وإلى أن يصل بنا الأطباء لتلك المرحلة فتتويجهم بلا شك سيكون خاليًا من التحفظات.
طبيب ومهندس على الهواء(11)
عندما تتابع مقابلة تلفزيونية على الهواء مع طبيب باطنة ومهندس إلكترونيات مثلًا تجد أن هناك بونًا شاسعًا في مستوى الحلول الإيجابية لكل منهم ووضوحية المنهج المتبع في العمل.
فالمهندس غالبًا ما تكون إجاباته موجبة فليس لديه إشكالية في أن يصل إلى مكان القطعة المختلة في جهاز معين، وبعد يطلب من السائل القيام بإجراءات معينة. كما أنه غالباً ما يكون موجبًا عندما يُسأل في إمكانية تصميم جهاز له خصائص معينة يخدم منشأة ما.
أما بالنسبة لطبيب على الهواء فإنه إذا حدد المرض فإنه قلما يصف علاجه على الهواء. وأكثر ما يقوم به الطبيب في التلفزيون هو التثقيف الصحي وليس العلاجي فدائمًا ما يكثر أن يقول "لابد من رؤية الحالة أو لا بد من عرض الحالة على طبيب مختص". ولا زال من أخلاقيات المهنة Profession ethics عند أهل الطب عدم صرف الدواء بالهاتف أو في الصحف، وهو أمر يعتبره البعض ليس من الممدوحات بل يعكس مدى تعقد هذه المهنة وضعف مرونتها.
وقد يقول قائل إن المهندسين يتعاملون مع آلة صنعوها بأنفسهم ولذا يسهل إصلاح عطبها أما الأطباء فهم يتعاملون مع كائن لم يقوموا على تصنيع أي ذرة فيه بل هو من صنع الله وحده. ومع هذه فإن الشيء يبقى ممدوحًا للمهندسين أنهم لا يقتصرون على جوانب إصلاح الأجهزة بل يتعدى الأمر لتصميمها في الأساس وتصنيعها.
ويبقى أن الأطباء يعانون صعوبات تفوق الصعوبات التي يعانيها المهندسون. والعلم ينتظر منهم زيادة إضافية من العطاءات التي تخدم البشر. إن سر تفوق المهندسين على الأطباء لا يرجع بأي حال من الأحوال إلى ضعف همة الأطباء وإنما يرجع إلى طبيعة مادة الإنسان موضوع ومحل اهتمامهم.
نواتج علماء النفس
يهدف علماء النفس لدراسة الظواهر النفسية – مثل الانفعال والتعلم والإدراك والدافعية- وقوانينها وطرائق التحكم بها. وتتعدى الجهود التطبيقية لعلماء النفس(12) من الاهتمام بعلاج المرض النفسي إلى تطبيقات عدة في المجالات سواء الإدارية والتعليمية والتجارية والصناعية والإعلامية والدعائية وغيرها. ولقد أثبتت تلك الأطروحات النفسية في تلك التطبيقات فعاليتها وجدواها. فكل الشكر والعرفان لتلك الجهود الرامية لخدمة الإنسان.
ومع هذا فعند النظر للإنجازات التي قدمها علماء النفس نجد أنها ضئيلة بالنسبة لتخصص الفيزياء أو الهندسة أو الكيمياء أو الطب. ولعلي أؤكد أن ما يقصد بالإنجازات أي الإنجازات المطبقة على أرض الواقع وليست مجرد النظريات التي ليس لها حظ وافر في خدمة الإنسان بشكل مباشر.
يجب الاعتراف أن علماء النفس لا زالوا منشقين في تفسيراتهم السلوكية، فمن جانب تجد منهم من ينتمي إلى المدرسة المعرفية ومنهم من ينتمي إلى المدرسة السلوكية ومنهم من ينتمي إلى مدرسة التحليل النفسي ومنهم من ينتمي إلى المدرسة الإنسانية. ومنهم من تبنى مذهبًا يشكله خلطة فلسفية تجمع بين أطروحات تلك المدارس. إن هذا التباين الحاصل بين علماء النفس يقود بلا شك إلى تباين آخر ينعكس أثره في طريقة علاج الانحراف السلوكي وطريقة استثارة الدوافع.
وأمر آخر لا زال يشكل أزمة عند علماء النفس هي قضية يظهر أنها تتعلق بأبسط مما سبق ألا وهي قضية تعريف الظاهرة النفسية التي تمثل القالب الذي يتركب منه السلوك الإنساني. ولقد قيل مثلًا إن الحديث عن الوعي consciousness أسهل من تعريفه(13) وإن قياس الذكاء أبسط من تعريفه.
ويبقى الدور الرئيسي المنوط بعلماء النفس والمتوقع منهم أن يخدموا البشرية وهو الدور المتعلق بعلاج الأمراض النفسية إذ لم يصل هذا الأمر إلى الحد الذي يطمح إليه الإنسان. فلا زال الإنسان مثلاً يعاني مشكلات نفسية كالاكتئاب والرهاب والوسواس والهذاءات والفصام ولا زال علم النفس لم يصل بعد إلى نضج يعلن فيه اقتلاع تلك الاضطرابات بلا رجعة. إن الإنسان لا زال ينتظر – وأخشى أن يكون مل من الانتظار- أن يقدم له علم النفس حلولاً آنية وسريعة لما يكابده بين وقت وآخر من معانات نفسية واضطرابات عقلية.
نواتج علماء الاجتماع
يهدف علماء الاجتماع لدراسة الظواهر الاجتماعية بما في ذلك عادات الشعوب وتقاليدها والأنظمة الاجتماعية التي تربط أعضاء المجتمع بعضهم ببعض، فيدرسون نظام الأسرة والنظام العشائري ونظام المجتمعات والعلاقات الزوجية وجملة من المشاكل الأسرية والاجتماعية كالطلاق والمخدرات والسرقة والشغب والعنصرية والعنوسة والعنف والتحرش الجنسي والعنوسة والهوة الاجتماعية بين الآباء والأبناء.
وبالرغم من أن تلك الجوانب تبدو بسيطة إذ يستطيع أي شخص - مهما كان مستوى تعليمه - أن يدركها ويبدي رأيه فيها، إلا أن نوعية مشاكلها تمثل أعضل المعضلات اليوم فلا زالت تلك المشاكل قائمة في أرض الواقع بل إن وجودها يتزايد بشكل مستمر على الرغم من الجهود العلمية لعلماء الاجتماع لإيجاد حلول إجرائية لتلك المشاكل.
وللمتأمل البسيط أن يوجه العتب لعلماء الاجتماع وعلماء الخدمة الاجتماعية على وجه الخصوص لأنهم هم المعنيون بوضع استراتيجيات تمكن الفرد من التكيف مع الظروف الاجتماعية مهما كانت سيئة. وقد يسائلهم رجل الشارع البسيط عما قدمه علماء الخدمة الاجتماعية من حلول إجرائية (وليست نظرية) تجاه مشكلة الطلاق والسرقة والعنصرية والعنف والجنوح وغيرها كثير. فنسبة هذه الظواهر في تزايد ومعاناة الإنسان منها في تصاعد فهل أجدت تلك النصائح والتوجيهات الاجتماعية نفعًا في حماية الناس من شرور وعواقب تلك المشكلات؟ وهل استطاع الطفل والراشد أن يتكيفوا في ظل وجود فوضى أسرية وفساد اجتماعي؟
إن الواقع يشهد بوجود تلك المشاكل ويفتقر أيضًا لتطبيقات ناجحة شافية تمامًا لتلك النصائح والفلسفات، فالآثار النفسية والاجتماعية للاختلالات الاجتماعية لا زالت عنيفة بدرجة تفوق على ما كانت عليه قبل بزوغ فجر العلم الحديث.
وكثيرًا ما يعول علماء النفس وعلماء الاجتماع في أطروحاتهم الإصلاحية والعلاجية على عامل الوقت في حل المشاكل الاجتماعية والنفسية. والواقع أن النفس البشرية مجبولة على الحلول السريعة والأكيدة عندما تتواجه مع مشكلة ما. وكأني برجل الشارع يهمس في أذن العلماء المعنيين ويقول لهم "شيئًا من السرعة يا علماء فنحن في عصر السرعة".
نواتج العمل التكاملي
لقد وعى علماء العصر الحديث أهمية العمل التعاوني المشترك(14) في رفع مستوى الخدمة المقدمة للإنسان. فقد يصب في هدف واحد أو خدمة واحدة مساهمة مشتركة بين عطاءات متراكمة لعدد من التخصصات يقوم كل منهم بتكميل ما انتقص عند الآخر. فكثير من الإنجازات البشرية هي في واقع الأمر تمثل تداخلات متسلسلة ومتكاملة لعدد من التخصصات تصب كلها في الأخير في هدف واحد مشترك.
فعلى سبيل المثال تجد أنه في مجال الإنتاج الزراعي والحيواني يكون التعاون مشتركًا بين علماء النبات والحيوان مع علماء الكيمياء عندما يقوم الكيميائيون بتحضير الأسمدة والمبيدات الحشرية، وتعاون مع المهندسين عندما يخترعون أفضل الجرافات والأجهزة الزراعية وتعاون مع أطباء البيطرة عندما يقومون بعلاج الأمراض الحيوانية والنباتية وتعاون مع علماء الوراثة عندما يختارون السلالة الجيدة وتعاون مع علماء الجينات عندما يحسنون نوعية المورثات وتعاون مع علماء النفس عندما يسعون في تحقيق الرضا الوظيفي للعمال لزيادة عملهم. وبهذا العمل التعاوني والتكاتفي يتحسن الإنتاج ولا شك أنه في غياب واحد من تلك التخصصات يقل مستوى الخدمة المقدمة للإنسان في مجال الإنتاج الزراعي والحيواني.
والأرقام تؤكد هذا الأمر فقد وجد على سبيل المثال أن الاستهلاك الزراعي المحلي في بريطانيا ازداد من 30% إلى 80%، وأن معدل إنتاج البقرة الواحدة سنويًا من الحليب ارتفع من 2500 لتر إلى 4000 لتر. وهذه الأمور لم تكن لو لم يكن هناك نظام العمل التعاوني المشترك بين التخصصات المختلفة(15).
والفلسفة الجديد للعلم الحديث لا تقوم على مبدأ التجزئة والفصل كما كان معهودًا في العقود الماضية بل تقوم على التقارب والتزاوج. ولذا خرج العديد من العلوم المدموجة كعلم الكيمياء الحيوية وعلم الهندسة الكيميائية وعلم النفس الإداري وعلم الفيزياء الحيوية وعلم الكيمياء الفيزيائية وعلم الإدارة التربوية وعلم النفس العصبي الدوائي وغيرها من العلوم التي تجمع في الأساس بين علمين مستقلين أو ثلاثة علوم أو أكثر من ذلك. وكأن العلم الحديث بدأ ينتقل من عصر التخصصات التفرعية إلى عصر التخصصات التجميعية.
سر تفوق الفيزيائيين
قد يقال إن السر في تفوق الفيزيائيين على بقية المختصين يرجع إلى أن المختصين في الفيزياء هم في الأساس ممن تتوفر لديهم مستويات عالية من العبقرية والذكاء، الأمر الذي جعل تطور مجالهم يأخذ قفزات متسارعة ومذهلة. وقد يقال إن طبيعة علم الفيزياء تسترعي فضول أصحاب العقول المتميزة ولذا توجهوا إليه في الأساس. وقد يقال إن الدعم المادي اللامحدود للفيزيائيين هو الذي ساهم في إنجاحهم وتفوقهم. قد تكون جميع تلك الأمور ممكنة لكن الجدير بالقول إن سر تفوق الفيزيائيين يرجع لتعقد التخصصات الأخرى وصعوبتها ويظهر ذلك من خلال النظر في الحجم الكبير للوحدة المدروسة التي تقوم عليها بقية التخصصات.
فلو تأملنا وحدة الفيزيائيين التي يتعاملون معها لوجدنا أنها تمثل أصغر الوحدات وهي الذرات والإلكترونات، والكيميائيون يتعاملون مع العناصر والإحيائيون والأطباء يتعاملون مع الخلية، والنفسانيون يتعاملون مع حركات الإنسان وسكناته وانفعالاته وتفكيره، والاجتماعيون يتعاملون مع نظام الأسرة والأنظمة الاجتماعية. ولا شك أنه كلما كبر حجم وحدة موضوع الدراسة كلما زاد تعقد ذلك العلم. وعليه فإنه من خلال قراءة سريعة سيكون الترتيب التصاعدي –على وجه التقريب- لتعقد العلوم من حيث قدرتنا على تسخيرها على النحو التالي: فيزياء، كيمياء، أحياء، علم نفس وفي الأخير علم الاجتماع الذي يحتل درجة عالية من التعقد من حيث قدرة الانسان على السيطرة والتحكم بآثار المؤثرات الاجتماعية.
معضلة أخرى تخص الدراسات الإنسانية هي أنها تتعامل مع كيان لم يمكن تحويله بعد إلى جانب مادي جامد وثابت فهم يتعاملون مع بنى ضبابية ليس لها مجسم محدد الأبعاد. ويتوقع البعض أنه عندما يصل العلم للكشف عن تجسيمة هذه المعاني-هذا إن أمكن- سيسهل لهم كثير من العقبات ويحل كثير الإخفاقات.
مرجعات للنواتج العلمية
إن الطبيعة البشرية تسعى لإيجاد الحلول السريعة لمشاكلها فالحل الذي يستغرق يومًا أو يومين يبادر إليه شريحة كبيرة من المجتمع بعكس الحلول التي تستغرق شهورًا أو سنوات والتي لا تشجع الكثير على العمل بها. وهذه هي الجوانب التي ميزت أعمال الفيزيائيين الناجحة بدعم المهندسين.
فمثلًا عندما تكون الغرفة حارة بضغطة زر على المكيف تتحول الغرفة الحارة إلى غرفة باردة، وبضغطة زر أخرى تضيء الغرفة المظلمة، وبضغطة زر تكلم صاحبك في أي قطر من الأرض بل وتنظر إليه على الشاشة، وبضغطة زر تصل بسرعة الصوت إلى أي مكان تريد في العالم، وبضغطة زر تدمر بيتًا يقع في زقاق ضيق من أزقة باريس مهما كان موقعك، وبضغطة زر تمحو روسيا من الوجود. لا شك ولا شك ولا شك أنه تقدم رائع ومذهل لم يحلم به أسلافنا السابقون.
إن البشرية تطمح لتحويل منتجات التخصصات الأخرى بصورة تماثل ما وصل إليه الفيزيائيون من حلول إجرائية. فهل وصل الطب لدرجة تماثل إنتاجيات الفيزيائيين فتمكنوا من خلال تناول قرص أن يتشافى مريض السكر ومن خلال قرص آخر يتشافى مريض الربو ومن خلال ثالث يتشافى مريض السرطان وهكذا يشفى مريض البهاق والصدفية ويشفى المصاب بالشلل والمصاب بالعمى والصمم. وهل وصل التقدم بالطب –النفسي- أن يشفوا مريض الفصام والتوحد والاكتئاب والخرف.
وهل تمكن علماء النفس من خلال جلسة واحدة أن يخلصوا المريض النفسي من معاناته؟ وهل تمكن علماء الخدمة الاجتماعية من خلال توجيه واحد أن يجعلوا الإنسان يتحمل أي مشكلة اجتماعية تواجهه؟
إن ما تشهده التخصصات الأخرى يمثل تفاوتًا بائنًا في تسابقهم إذ لا زالت بعض التخصصات تتسارع على عجل وبعضها يسرع بسرعة متوسطة وبعضها يجري جري النعام وبعضها يمشي على مهل وبعضها يزحف وبعضها متقولب حول ذاته لا نبض فيه ولا حراك.
فإلى متى ننتظر ليوافينا العلم الحديث بحل جذري وسريع لأي مشكلة تواجهنا مهما كان صنف تلك المشكلة! وهنا نسأل العلم القادم عن مدى توجهه لتحويل جميع إشكاليات العلوم البحتة والعلوم الإنسانية ليدرسها عنهم الفيزيائيون من خلال تجزئة وحدات العلوم إلى وحدات صغرى وصغرى حتى ينتهي المطاف بالذرة والتي يتم الانطلاق منها للبحث عن حل أي مشكلة كانت مهما كان موضوعها. اليوم مثلًا يتحدث الفيزيائيون النظريون عن نظرية الأوتار الفائقة(16) superstrings ويزعمون أنها نظرية تصلح لتفسير كل شيء فهل ينجحون في ذلك(17).
إن جهلنا ما زال مطبقًا في كثير من الجوانب وسيظل كما عبر عن ذلك ألكسيس كاريل(18) إذ قال " وواقع الأمر أن جهلنا مطبق فأغلب الأسئلة التي يلقيها أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب لأن هناك مناطق غير محددة في دنيانا الباطنية ما زالت غيرمعروفة".
وقبل الختام فإن موضوعًا كموضوع أزمات العلوم موضوع متشعبة أركانه فما بالك بفروعه وأغصانه. ويجدر قبل أن تنفلت هذه المقالة وتذهب إلى قارئها أن أختمها بمقولة لسيد قطب(19) " إنه ستبقى جوانب نجهلها في حياة الإنسان مهما بذل من الجهد ومهما تعددت حقول البحث ودرجاته وذلك نظرًا للصعوبات الذاتية الكامنة في تعقد موضوع الحياة من جهة وفي طبيعة عقولنا من جهة أخرى. هذا الجهل كان ولا يزال يقتضي أن يظل الإنسان لاصقًا بالله سبحانه قريبًا منه ملتجئًا إليه مهتديًا بمنهجه الذي يضعه له عن علم وحكمة. وألا يغتر بفتوحات العقل في عالم المادة ولا بمهاراته في الإبداع المادي – مهما بلغت قدرته ومهما فهم أنه أتى بالخوارق في هذا المجال – فيدفعه هذا الغرور إلى تطبيق محاولاته في عالم المادة على عالم الحياة وبخاصة حياة الإنسان. وألا يفتنه هذا الغرور فيجعله يحاول أن يضع لحياته مناهج مستقلة عن منهج الله".
ختامًا:إن الحياة لن ينضبط إيقاعها إلا بعد أن نستجيب جماعات وأفرادًا لقوله تعالى " فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى".
تم إضافته يوم الجمعة 08/05/2009 م - الموافق 14-5-1430 هـ الساعة 2:57 مساءً